قد نتفق، وقد نختلف، على أنَّ ​السياسة​ عينُ ديننا، ولكننا لن نختلف أنَّ السياسة اليوم صارتْ كذبٌ وتدجيلٌ… والكل يعرفُ أنَّ الصورة النمطية المرتسمة في أذهان الكثيرين أن الشيخَ له دورٌ في مقارعة الظالمين، أو مواجهة السياسيين، أقله عندنا، فصور السادة المشائخ تتصدر البيوت، وتملأ صفحات التواصل، والهواتف المحمولة. وأقوالهم في مواجهة الطغاة، ومجابهة العتاة، محفوظة عن ظهر قلب، حتى وصلنا إلى هذا العصر الذي انطوى الشيخ فيه تحت عباءة السياسي أو الأمني أو رجل الأعمال، فصار لا يتكلم بما لا يرضيه، ولا يقوم بفعل غير في سبيل إعلاء شأنه، إلاَّ من رحم ربي.
ويقف شيخ شاب مثلي، قرّر خوض غمار هذا المعبر الزَّلِقِ الخطر، دون حسابات مسبقة له، عمّا سيلاقيه من أهوال وتحديات... من أولَّها وأخطرها سؤاله عن تاريخه ونسبه، فقدْ جرت العادة حتى ترسختْ وصارتْ عرفاً، أنَّ المشيخة وراثيّة حصراً، يرثها الشيخ عن أبيه دون شروطٍ ولا مقدماتٍ، كمفهوم السيّد عند إخواننا ​الشيعة​.
وإذا كانت الأخوة الدينية عندنا قد حَطَّمتْ بالنصوص كل إخوةٍ طينية سواها، إلاَّ أن العادات قد تجاوزتها هنا أيضاً، وانتصرتْ على النصوص، وبقيت المشيخةُ وراثيةً، ولا يُسأل الوارثُ عما يفعل، مهما فعلَ.
وأما المجتهد الذي قرر وَقْفَ حياته كلها خدمة لهذا المذهب الشريفِ، فمهما اجتهد وقاوم وناضل، سيبقى متهماً في نسبه، مشكوكاً في ولايته، وإنْ عُثِرَتْ له يوماً ما في صباه عن عثرةٍ، شنَّعوه وجرَّموه، وجعلوه مطروداً منبوذا.
وعلى المقلبِ الآخر، فهو دون سواه أيضاً، من يُطلبُ للمواجهة في كل استحقاقٍ معيشيٍ أو سياسي أو انتخابي واجتماعي.


فالمريضُ يقصده لمطالبة النائبِ، والعسكري يستجديه لواسطة عند قادته، والموظفُ لا يجد سواهُ عند ملمةٍ تعترضه. فيندفعُ كعادته في الدفاع والمُطالبةِ، فيُواجهُ بوابلٍ من الشتائم والمسباتِ. فهذا الذي يُطالبُ بنزع عمامته، وذاك غير مكترثٍ ينتهكُ كرامتهُ، وكل المطلوبِ أن يصمتَ ويُكابرَ على جرحه الدامي، ويصبر على أذى عائلته وزوجته وأولاده.
هو تعمَّم، فليدفع الثمن غالياً، ويا ليتهم يرضون بدفع الثمن، فليس للعمامة شروط علمية أو دينية، هي فقط نسب وراثي ترثه، فلا تُسأل عن شيءٍ، ولا يُطلب منك شيءٌ، وكل الولائم والغنائم والترجيحاتُ والترشيحاتُ تصبُ في مصلحته وهو يضع رجلاً فوقَ رجلٍ، يتغنج على هذا المنصب، ويتدلل على ذاكَ، من مبدأ(عايز ومستغني).
ونطوي كشحاً عن كل ذلك، ويتابع الشيخ الشاب نضاله في سبيلِ خدمة من قصده، قربة لله تعالى، فلا شيء بالإمكانِ أن يحصل عليه، فذاك ضرب من جنون. فَيُفاجئُ أيضاً كما هي العادة، بمقولات تعشعشت في ذاكرةِ العامة حتى صارتْ قانوناً صارماً: "شيخ وسياسي مانها ظابطة".
فكيفَ يُحصِّلُ هذا الشيخُ خدمته المنشودة لذلك الفقير الذي قصده؟ ولا تُحصّل إلاَّ بالسياسة!. هي طلبُ الشيءِ ونقيضه؛ تعجيزاً لهذا الشيخ الطارئِ على سلك المشيخة بلا نسلٍ. عليكَ أنْ تُطبِّلَ للسياسي، وترفع تقريرك للأمني، وتماري المسؤول، وتداجي الميسور، وصولاً إلى رضىً موقوفٍ على كل تصفيقٍ تقوم به، فإنِ احتججتَ أقاموا الدنيا عليكَ ولم يقعدوها.
فرقة جاهزة من الحَلِّيفة والشَّتِّيمة جاهزة لتقسم بأيمانات كل مقدس أنك ضال وفاسق ونجس، ومضل ومفتن، فقط لأنك طالبتَ بأبسطِ أمرٍ، ولو كان يتعلق بعجوزٍ مريضٍ لا يلقى من يقدم له دواء.
وبين الضغط الشعبي الذي يخذلك دوما، ولكن يضعك باستمرار في مقدمة المُطالبين، وبين أولئك العصابة من السياسيين، تجد نفسك أمام معركة عليك أن تستعين بها بكل دعاءٍ ونصرة، ليأتيك من الغيبِ توفيقٌ يُيَسر لك أمرك. حتى، وإن قرَّرَ هذا الشيخ التنازل عن العمامة، فهل يسلم؟ سيورثون ولده وولد ولده عاراً: أنه نكرَ الولاية وَخرج من العقيدة. وكيفَ يُطالبُ شيخٌ مثلي ويضغطُ على السياسيين؟.
هي فقط مطالبة بكتابة على وسائلِ التواصلِ تُعلي النبرة فيها تنديداً بالتخاذل وحضاً على القيام بواجبهم الأخلاقي والإنساني، لأنكم تعرفون أن أُذنهم لا تحب سماع إلاَّ المدائح، فتزعجهم أنت بمطالبتك الحقة. فيوعزون إلى حاشيتهم بالأنقضاض عليك... وتستمر المعركة معهم بين كرٍّ وفرٍّ، وسط صمت الجماهير الغفيرة، وتصفيق بعضها ضدنا، واستئساد البعض علينا.
هذه هي حالنا بكل بساطة، قد ألهوك وأنسوكَ كل همومك المعيشية، ووضعوك في مستنقع الردود والصدود، ولكنني غير مكترثٍ، سأمضيِ إلى سبيلِ ربي، وإنْ أخطأْتُ فهو غفور رحيم.
وكما قال المتنبي: إذا اعتادَ الفَتى خوْضَ المَنايا فأهْوَنُ ما يَمُرّ بهِ الوُحُولُ.
والسلام على طيب الكلام.