في نهاية أيلول من العام 2018 الماضي، أقرّ مجلس النوّاب الأميركي مشروع قانون يدعو إلى فرض عُقوبات جديدة على "​حزب الله​"، بحجّة الحدّ من قدرة "الحزب" على جمع الأموال وتجنيد عناصر له. ومنذ ذلك الحين وحتى تاريخه والحرب الإقتصاديّة الأميركيّة على "حزب الله" مُستمرّة في خطّ تصاعدي واضح، بمُوازاة الحرب المُماثلة على ​إيران​ والتي هي أشدّ قساوة. فهل يستطيع "حزب الله" مُواجهة هذه العُقوبات، وهل من إنعكاسات على ​لبنان​؟.
بداية، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ لائحة العُقوبات الأميركيّة التي طالت أخيرًا "جمّال تراست بنك" وبعض الشركات التابعة له، تأتي في سياق سلسلة من العُقوبات التي تصدر دوريًا، والتي تجاوز عددها في المرحلة الأخيرة عتبة الخمسين، علمًا أنّ هذا الرقم مُوزّع ما بين هيئة وشركة ومسؤول، إلخ.(1) وذلك بتهمة الإرتباط أو بالتعامل بشكل أو بآخر مع "حزب الله". إشارة إلى أنّه بعد الحصار الإقتصادي الذي فُرض على الحسابات المصرفية المباشرة لمسؤولي الحزب وللشركات التابعة له، منذ سنوات عدّة، حاول الإلتفاف على هذه القرارات، في الوقت الذي قامت فيه المصارف اللبنانيّة بالسير بين ألغام العُقوبات-إذا جاز التعبير، خوفًا من العُقوبات الأميركية، وكلّ المُؤشّرات الحاليّة والمَعلومات المُتوفّرة تؤكّد أنّ هذا النهج الأميركي سيستمرّ خلال المرحلة المُقبلة، بعكس تقارير إعلاميّة كانت إنتشرت في الماضي القريب، وتحدّثت عن حملات إعلاميّة لا قيمة لها، خاصة وأنّ الإدارة الأميركيّة مُقتنعة بجدوى إجراءاتها الإقتصاديّة في تحقيق غايات سياسيّة(2). فكيف سيتعاطى "الحزب" مع هذا الملف الصعب؟.
لا شكّ أنّ المعركة الإقتصادية-المالية التي يُواجهها "حزب الله" حاليًا، هي أشدّ وطأة عليه من المعارك العسكريّة، بإعتبار أنّ جُهوزيّته إزاء أي حرب عسكريّة إسرائيليّة عالية جدًا، وما حصل في الجنوب خلال الأيّام القليلة الماضية وُصولاً إلى عملية "أفيميم" الأمنيّة أثبت ذلك، بينما قُدرات "الحزب" على مُواجهة الحرب الإقتصاديّة الأميركيّة صعبة للغاية، والمسألة غير مُرتبطة به وحده، بل تبدأ في إيران ولا تنتهي عند أصغر عُنصر ينتمي إليه. والمُفارقة أنّ الضربات الإقتصاديّة لها تبعات مادية خطيرة، لكنّ الأخطر أنّ لها تداعيات معنويّة جسيمة، وما حصل مع "جمال تراست بنك"-وبغض النظر عن الإتهامات والتبريرات الأميركية التي أعطيت، هو خير دليل على ذلك، حيث سارع المصرف المركزي لإتخاذ سلسلة من التدابير، ولإصدار سلسلة من المواقف والبيانات، بهدف إمتصاص وقع الضربة الأميركيّة ومُحاولة طمأنة المُودعين، ليس في المصرف المٌستهدف أميركيًا فحسب، بل في مُختلف المصارف اللبنانيّة. والمُشكلة أنّ مُطلق أي مصرف تُصنّفه واشنطن ضُمن لائحة داعمي الإرهاب، يسقط معنويًا بشكل فوري، حتى لو كان يملك أموالاً طائلة كافية لسداد كل طلبات السحب من المُودعين!.
ويُمكن القول ان لا خيار أمام "حزب الله" سوى الإستمرار بمُحاولاته الرامية إلى الإلتفاف على العُقوبات الإقتصاديّة الأميركيّة، وعلى إبتكار أساليب سريّة لتحويلاته الماليّة. لكن هذا الأمر لن يكون سهلاً على الإطلاق، خاصة وأنّ مُختلف المصارف اللبنانيّة قامت في المرحلة الأخيرة بتشديد إجراءاتها لمعرفة مصدر أصغر تحويل مالي، وكذلك لمعرفة وجهته النهائيّة، تقيّدًا بقوانين مصرفيّة أميركيّة وأوروبيّة أيضًا، تهدف لمُكافحة تبييض الأموال و​تمويل الإرهاب​. وبالتالي، من غير المُستبعد أن يلجأ "حزب الله" للعمل السرّي ماليًا، بشكل شبيه بعمله العسكري والأمني السرّي أيضًا في لبنان! إلا أنّ هذا الأمر سيترافق في كل الأحوال مع إستمرار الضُغوط الأميركيّة على مصارف ومؤسّسات وشركات وشخصيّات لبنانيّة عدّة، الأمر الذي من شأنه إبقاء حال القلق سائدًا-أقلّه في المدى المَنظور.
في الخُلاصة، طالما أنّ الصراع الإقليمي والدَولي ما زال مفتوحًا على مصراعيه، وطالما أنّ "حزب الله" مُنخرط في هذا الصراع، الأكيد أنّ سيف العُقوبات الأميركيّة سيبقى مُسلّطًا فوق لبنان واللبنانيّين. والأخطر أنّ بعض المُحلّلين يتحدّث عن وقائع تاريخيّة إحتدم فيها الصراع الإقتصادي والمالي، وبلغت الضُغوط الحياتيّة والمعيشيّة ذروتها، الأمر الذي مهّد الأجواء لإنفجار الأوضاع أمنيًا وعسكريًا في مرحلة لاحقة... على أمل أن لا ينطبق هذا "السيناريو" على لبنان!.

(1) كانت العُقوبات الأميركيّة قد طالت أخيرًا النائبين في "حزب الله" ​محمد رعد​ (رئيس كتلة "الحزب" في مجلس النواب) وأمين شرّي، إضافة إلى مسؤول وحدة الإرتباط والتنسيق ​وفيق صفا​. وقبل ذلك كانت العُقوبات قد طالت كلاً من "بيت المال"، "جهاد البناء"، "مجموعة دعم المُقاومة"، "تلفزيون المنار"، "إذاعة النور"، "المجموعة الإعلامية للإعلام"، إضافة إلى قُسم العلاقات الخارجية للحزب، وقسم الأمن الخارجي للحزب أيضًا.
(2) التصاريح الأميركيّة تصبّ في هذه الخانة، ومنها إعتبار وزير الخارجية الأميركي ​مايك بومبيو​ في تصريح سابق له "أن حملة الضُغوط القُصوى على النظام الإيراني، ووكلائه، نجحت في الحدّ من الدعم المادي الذي يتلقّاه حزب الله".