منذ لحظة الإعلان عن الهجوم على منشأتي ​أرامكو​ في بقيق وخريص، سعت ​السعودية​ إلى رفع السقف عالياً، عبر التلميح إلى المسؤولية ال​إيران​ية عنه وصولاً إلى توجيه الإتهام المباشر بعد أيام، رافضة إعلان حركة "أنصار الله" اليمنية لمسؤوليتها عن هذا الهجوم، الأمر الذي من المفترض أن يحتّم عليها الرد بشكل أو بآخر، بالرغم من النفي الإيراني الواضح لهذه الإتهامات.
عند هذه النقطة من الضروري السؤال عن الخيارات التي لدى الرياض، التي على ما يبدو كانت تراهن على الدعم الأميركي، على قاعدة أن التهديد لم يعد يقتصر على أمنها القومي بل يشمل الإقتصاد العالمي، إلا أن المفاجأة كانت بإصرار الرئيس ​دونالد ترامب​ على مواقفه السابقة، أي إستبعاد الخيار العسكري في التعامل مع طهران، حيث يرى أن الجهود الدبلوماسية لم تستنفذ صلاحياتها بعد، بالتزامن مع ممارسة هوايتها المفضلة في جعل الرياض تدفع المزيد من المبالغ المالية، من أجل الحصول على "الحماية" الأميركية.
على الرغم من الدعم الدبلوماسي الذي حظيت به السعودية، في الأيام السابقة، إلا أن السؤال الأساسي لا يزال من دون أي جواب: ماذا عن الرد الذي من المفترض أن يكون "رادعاً" لمنع تكرار هذا الهجوم؟. كان من الممكن أن تكتفي الرياض في الإعلان عن تنفيذ غارات عسكرية "نوعية" داخل الأراضي اليمنية، للقول إنها قامت بالرد المناسب، مع العلم أن "أنصار الله" لا تتردد في توجيه المزيد من التهديدات، لكن مع الإتهام المباشر إلى طهران لم تعد قادرة على ذلك.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم التسريب الإعلامي عن مشاركة مقاتلات سعودية في إستهداف مواقع إيرانية في منطقة البوكمال السورية، على قاعدة أن الرياض تخوض المواجهة مع طهران، إلا أن مصادر سعودية لم تتأخر في نفي هذه المعلومات، مع الإشارة الى أن هذا النفي لا يلغي تأكيد وزارة الدفاع السعودية على قدرة بلادها بالدفاع عن مقدراتها الحيوية، وأن قرار محاسبة المتورطين في الهجوم على معملي شركة أرامكو قد اتخذ، إلا أنها ترجئ الإعلان عن تفاصيل الردّ لحين تحديد نقطة الإنطلاق بشكل محدد.
بالتزامن، لا يمكن إغفال دعوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المجتمع الدولي للمشاركة في التحقيقات، وهو ما يبدو محاولة للحشد الدولي قبيل اتخاذ موقف رسمي للرد على الهجوم، ما يعني أن الرياض تسعى ألاّ تكون وحيدة في أي خطوة من الممكن أن تقوم بها، لكن هل هناك من هو مستعد للدخول في حرب مع إيران من أجل السعودية؟.
قبل أيام، كان جواب الرئيس الأميركي واضحاً: "لا نحتاج لنفط أو غاز الشرق الأوسط لكننا سنساعد حلفاءنا"، في حين أن الرهان على أي جانب أوروبي في هذا الخصوص قد لا يكون في مكانه، وبالتالي البحث من المفترض أن يكون في مكان آخر، حول مَن مِن الممكن أن يخوض المواجهة إلى جانب الرياض، مع العلم أن السعودية ليست وحيدة في الحرب في اليمن، لكن حتى الآن لم تنجح في تحقيق أي نتيجة.
كل هذه المعطيات، بالإضافة إلى أخرى تتعلق بالقدرة أو الإمكانية، تدفع إلى السؤال حول الموقف السعودي المستقبلي، حيث باتت الرياض في موقع لا تحسد عليه: لا تستطيع الدخول في المواجهة منفردة، بينما ثمن أي دعم قد تحصل عليه سيكون باهظاً، لا سيما إذا ما كان مصدره الولايات المتحدة، ما يرجح إستمرار الوضع على ما هو عليه إلى حين الوصول إلى لحظة الجلوس حول طاولة المفاوضات، لكن أين سيكون موقع المملكة حينها؟.
في تلك المرحلة، لن تكون طهران مضطرة للتفاوض مع الرياض، حيث ستكون واشنطن على الجانب المقابل، نظراً إلى أن الأخيرة تبرر كل الضغوط التي تقوم بها لدفع إيران إلى الحوار، لكن هل سيكون الهم الأميركي حينها تأمين مصالح السعودية أولاً أم الولايات المتحدة؟!.
في المحصلة، يبدو أن السعودية ظنت أن حجم التصعيد سيدفع حلفاءها، خصوصاً الولايات المتحدة، إلى التحرك سريعاً، لكن عملياً لم يتغير شيئا سوى أنها وجدت نفسها في موقع لا تستطيع فيه التراجع أو التقدم، لأن أحداً لا يستطيع أن يضمن لها نتائج أي خيار قد تذهب إليه.