اهتمت وسائل الاعلام في الساعات الماضية بخبر عدم منح تأشيرتي دخول الى ​الولايات المتحدة الاميركية​ لكل من الرئيس الإيراني ​حسن روحاني​ ووزير الخارجية ​محمد جواد ظريف​، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للامم المتحدة. وبدأت كالعادة، التحاليل والتوقعات ترسم أفقًا اسود لما ستأخذه الامور من منحى، وخرج قارعو طبول الحرب لممارسة عملهم المفضّل، فيما أخذ الربط بين استهداف شركة "​أرامكو​" ​السعودية​ واتهام طهران بها مداه الاقصى في اعتماده كسبب رئيسي لعدم منح التأشيرات.
في الوقع، لم يكن هناك من سبب لإثارة مثل هذه الازمة، إلا اذا كانت بالفعل مُختلقة والهدف منها اعطاؤها حجماً اكبر مما هي عليه بالفعل، لانه في عز الازمة مع ​ايران​، لم يتم رفض منح تأشيرات لأيّ مسؤول ايراني لمشاركة في اعمال الامم المتحدة. لا بل تستغل واشنطن هذا الامر للسماح للعديد من المعترضين على النظام الايراني بالتظاهر امام مبنى الامم المتحدة، وتسليط اهتمام وسائل الاعلام العالميّة المتواجدة بكثافة هناك على مطالبهم وشعاراتهم المنددة بالسلطات الايرانية وبما تقوم به من ممارسات.
واذا كان من المسموح الغوص في بعض التوقعات والتحاليل، فيمكن الذهاب في منحى آخر بناء على شخصية الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ المحبّة للسلطة والنفوذ، حيث يمكنه استغلال الموضوع للتركيز على قدرته في السماح او عدم السماح لاي مسؤول، بمن فيهم بالطبع روحاني وظريف وغيرهما، ان يشاركوا في اجتماعات الامم المتحدة ام لا، وانه قادر على حلّ المسألة او تعقيدها ساعة يشاء. ولكن، على الرغم من مواقف ترامب غير المتوقعة بتاتًا، الا انه من غير المحتمل ابدًا الوصول الى هذه النقطة لان نتائجها ستكون معكوسة، وسيظهر الرئيس الاميركي وكأنه مقيّد للحريات فيما يروّج لعكس ذلك، والاهم انه يمكنه تقييد حركة الوفد الايراني بكامله على غرار ما فعل مع ظريف نفسه منذ فترة قصيرة، حيث حدّ مسار تحركاته الى حدود مبنى الامم المتحدة والبعثة الايرانيّة هناك فقط.
إضافة الى ذلك، سيكون من الغريب فعلاً، في حال عدم منح التأشيرة، تفعيل القنوات التي تحاول وضع واشنطن وطهران على طاولة واحدة، بجهد اوروبي بطبيعة الحال، وسيكون من الصعب حتماً تصديق كلام ترامب عن محاولات إيران لعقد صفقة او لتدبير لقاء مع الاميركيين. ولن يكون الوضع مع الاوروبيين افضل حالاً في ظل الجهود التي يبذلونها لتقريب الجمهوريّة الاسلاميّة منهم وايجاد مخرج ملائم لانهاء الازمة القائمة مع اميركا، وفي الخليج، ناهيك عن عدم القبول الروسي بسياسة عزل ايران، ليس محبة بها وبسياستها، بل من اجل استمرار سياسة الخطوط المفتوحة معها لما فيه مصالح الروس في سوريا والشرق الاوسط بشكل عام.
كل هذه الاسباب مجتمعة، تجعل من منح السلطات الاميركية تأشيرة دخول الى روحاني والوفد الايراني مسألة "تحصيل حاصل"، وهي ستساعد على تمرير وجود المسؤولين الايرانيين في نيويورك بشكل سلس، بدل ان تتعقد ويصب الاهتمام على موضوع آخر يسحب البساط من المواضيع المهمة والاساسية التي يجب التركيز عليها. وبالتالي، ليس الهدف معرفة ما اذا كنت اميركا ستمنح التأشيرات الى الايرانيين، بل ما قد تشهده اروقة الامم المتحدة من لقاءات واجتماعات معهم إنْ من قبل الاوروبيين او غيرهم، والتي من شأنها ان تمهد الطريق أمام تسويات قد تحصل وترخي بظلالها على المنطقة، او التوصّل الى أفكار واقتراحات من شأنها ان تضع الحجر الاول لجسر التواصل بين ايران والغرب، وربّما العودة الى إعادة العمل بالاتفاق النووي، او التوصل الى اتفاق جديد يرضي الجميع.
قد تكون اجتماعات الامم المتحدة محطّة دوريّة سنويّة معتادة، ولكنّها ايضاً قد تكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العلاقات.