لا يمكن أن يكون أمراً عابراً أن يصدر رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ قراراً بإلغاء الندوة التي كانت مقرّرة بين كوادر "​تيار المستقبل​" ووزير الخارجية ​جبران باسيل​، تحت عنوان "كسر الجليد"، ولو بُرّرت بأنّها جاءت استجابةً لطلبات الكوادر أنفسهم.
لا يمكن أن يكون الأمر عابراً لأسبابٍ عدّة مرتبطة بالتوقيت أولاً، في ظلّ الضغوط التي يقول رئيس الحكومة إنّه يتعرّض لها من أكثر من جهة داخلية وخارجية، وكان آخر تجلياتها، وربما أخطرها، المقال الذي نشر في "نيويورك تايمز" قبل يومين.
وفي حين فسّر كثيرون إلغاء الندوة على أنّه مؤشّر واضح على تراجع العلاقات بين "الوطني الحر" و"المستقبل"، وعلى أنّ الحريري لا يزال "ممتعضاً" من أداء باسيل وفريقه على أكثر من مستوى، ثمّة من بدأ يستشرف "الخطوة التالية".
فهل يكون ما حصل خطوة أولى في مسارٍ قد يدفع الحريري إلى قلب الطاولة الحكوميّة على الجميع؟ هل يذهب إلى حدّ الاستقالة طوعاً، كما يطالبه بعض المقرّبين حتى داخل الحكومة، أو قسراً نتيجة الضغوط التي تزداد يوماً بعد يوم؟!.

الرسالة وصلت؟!


من حيث لم يحتسب الحريري، جاءته ضربةٌ في الصميم من خلال مقال "نيويورك تايمز" الأخير، الذي وضعه سريعاً مقرّبون منه في إطار الضغوط التي يتعرّض لها الرجل منذ فترةٍ غير بسيطة، تارةً تحت العنوان الاقتصاديّ، وما يتفرّع عنه من عقوباتٍ وغيرها، وطوراً تحت العنوان السياديّ، ورفض "التطبيع" مع "​حزب الله​" وداعميه، وعلى رأسهم "​التيار الوطني الحر​".
ولعلّ ما عزّز هذه الفرضية أنّ الملفّ الذي فُتِح للرجل، ولو كان يؤدّي للاستقالة بالحدّ الأدنى في الكثير من الدول الراقية، ليس جديداً، وسبق أن فُتِح وأثير في أعوامٍ سابقة، خصوصاً أنّ وقائعه وأحداثه المفترضة، إن صحّت، تعود إلى العام 2013، وما إعادة طرحه اليوم توازياً مع تراجع وضعه الماليّ، وانهيار مؤسساته، وصرف الموظفين فيها، سوى لـ "ابتزاز" الرجل في مكانٍ ما، وفقاً لقراءة "مستقبليّين".
لكنّ الرسالة وصلت، يقول "المستقبليون"، مستندين إلى تعليق الحريري المقتضب الأول على ما نُشِر، حين قال إنّه لن يتوقف عن العمل "مهما شنّوا حملات ضدّه"، وهي رسالةٌ لا يتردّدون في ربطها بالضغوط التي يتعرّض لها الرجل على أكثر من مستوى، والتي تشارك فيها جهاتٌ معروفةٌ للرأي العام،في الداخل والخارج، بغية إحراجه فإخراجه.
وإذا كانت رغبة الخارج بتغيير الحريري لسلوكه واضحة، فإنّ "المستقبليين" لا يتردّدون في الحديث عن "أيادٍ" داخليّة متورّطة في "مخطط" الاستهداف، بعضها بل معظمها ممّن كانوا شديدي الارتباط والصلة برئيس الحكومة في مراحل سابقة، لكنّهم لم يخفوا يوماً رغبتهم في "خلافته" وهو حيّ، تارةً عبر الترويج لسيناريو أنّه يجب عليه ترك القيادة لغيره، كما يحصل في فترات رئاسة حكومة كلّ من ​فؤاد السنيورة​ و​تمام سلام​ مثلاً، وطوراً عبر محاربته في العلن والسرّ، وتصوير أنفسهم وكأنّهم "البدلاء".

الحريري ضائع...


بالنسبة إلى المقرّبين من رئيس الحكومة، يمكن وضع رسالة "نيويورك تايمز" الأخيرة في إطار الضغوط على الحريري لتغيير سلوكه المبالغ في "الليونة" مع أطرافٍ باتت هي المتحكّمة به وبحكومته، وعلى رأسها "التيار الوطني الحر"، ومن خلفه "حزب الله"، علماً أنّ جهات خارجية كثيرة تلوم الحريري على أنّه لم يعد في خانة "المساكنة" في الحزب في حكومة واحدة فحسب، بل بات يوفّر له "غطاءً شرعياً" تماماً كما يفعل "العونيّون"، وهو ما برز خصوصاً في أعقاب الاعتداء الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية.
لكن، وبمُعزَلٍ عن فهم الحريري لهذه الرسالة العابرة للحدود، يبدو الرجل ضائعاً، بين تمسّكه بالتسوية الرئاسية، التي أعادته إلى الحكم مع انطلاقة "العهد القوي"، وبين ضرورة إرضاء حلفائه الإقليميين والدوليين، الذين لا يمكنه الاستغناء عنهم، مهما اشتدّ الضغط عليه. وقد سمع الحريري في جولاته الخارجية الأخيرة، من الولايات المتحدة إلى فرنسا مروراً بالسعودية، الكثير من الكلام حول وجوب تصدّيه للمواجهة، في ضوء "السخونة" التي تطبع الصراع الإقليمي هذه الأيام، وأدرك بأنّ سيف العقوبات المسلَّط على ​لبنان​ قد يتمدّد أكثر وأكثر، وأنّ الولايات المتحدة جادّة بنيّتها توسيع هذه العقوبات إلى الحدّ الأقصى المُتاح.
ردّ الحريري جاء على شكل "وعود" لا يبدو أنّه قادرٌ على تحقيقها، بعدما حوّل نفسه برأي كثيرين من خصومه إلى "الحلقة الأضعف" في المعادلة، مع أنّه عملياً يمكن أن يكون الأقوى فيها، وذلك بموجب التسوية الرئاسية التي يرى الرجل أنّ التفريط بها أشبه بالانتحار، وهو الذي يعتبرها ملاذاً آمناً له من شأنه "تحصينه" إزاء أيّ هبّاتٍ خارجيّة، باردة أو ساخنة. إلا أنّ مشكلة الحريري مع الطرف الآخر في هذه التسوية أنه "يعقّد" مهمّته بدل تسهيلها، وهو ما أدّى مثلاً إلى إلغاء ندوة الوزير باسيل في مركزية "المستقبل".
ويكفي للدلالة على ذلك أنّ الحريري لا يزال حتى اليوم عاجزاً عن إقناع جمهوره بصوابية التحالف مع "التيار"، لدرجة أنّ مجرد الإعلان عن لقاءٍ مع باسيل أدّى إلى ضجّة وامتعاض واعتراض، علماً أنّ كلّ ذلك يأتي نتيجة تراكمات لمآخذ "المستقبليين" على أداء باسيل معهم. وثمّة في الدائرة الضيقة المحيطة بالحريري من يعتبر أنّ باسيل يخطئ بقفزه فوق الخصوصية "المستقبليّة"، بل يذهب بعيداً في تصريحاته "المستفزّة"، والتي كان آخرها مثلاً رفض إدانة الاعتداء على منشآت "أرامكو" بما أحرج الدولة اللبنانية برمّتها، وليس الحريري فقط، من دون أن ننسى تصريحات بعض النواب "العونيين"، وآخرهم النائب ​زياد أسود​، فضلاً عن السجال الحامي الأخير الذي شهدته أروقة مجلس النواب بين الحريري وبعض نواب تكتل "لبنان القوي".

هل يفعلها؟!


في المبدأ، لا شكّ أنّ الحريري قادرٌ على قلب الطاولة الحكوميّة على الجميع، إذا ما أراد ذلك، واتخذ القرار بالتنفيذ.
يمكن للرجل الانقلاب على جميع "شركائه"، والإطاحة بالحكومة عن بكرة أبيها، وهو يدرك أنّ أيّ "بديلٍ" سيتمّ تنصيبه مكانه لن ينجح، وما تجربة حكومة ​نجيب ميقاتي​ الشهيرة، والتي سُمّيت بـ "حكومة حزب الله"، سوى الدليل الأسطع على ذلك.
إلا أنّ مثل هذا السيناريو لا يزال بعيداً بالنسبة للحريري، الذي يدرك أيضاً أنّ الرياح الخارجية التي قد تعصف به، وتزيحه عن الواجهة، ليست بقليلة، وهو يعلم علم اليقين أنّ الأدوات الداخلية لهذا المشروع أكثر من أن تُعَدّ وتُحصى، وداخل بيته قبل خارجه.
لكلّ هذه الأسباب، يبدو أنّ الحريري مستمرّ في "التطبيع" مع الوضع القائم، بما أوتي من قوة، حتى إشعارٍ آخر، إشعار قد يدفع إلى خيار الاستقالة الطوعية أو القسرية، وكلاهما مُرٌ للحريري إلى أبعد مستوى...