تتواصل العمليّة العسكريّة التركيّة ضُدّ المُقاتلين ​الأكراد​ على الحدود في شمال سوريا. فما هي أهدافها، وهل يُمكن أن يقف الأكراد بوجهها بعد تخلّي ​واشنطن​ عنهم، وماذا عن المواقف الإقليميّة والدَوليّة منها، وكيف ستكون إرتداداتها على الوضع في سوريا ككل؟.
العمليّة العسكريّة التركيّة القائمة حاليًا، والتي ستُنفّذ على مراحل مُتدرّجة، تشمل منطقة حدوديّة واسعة جدًا تمتدّ من شرق ​نهر الفرات​ وُصولاً إلى غرب ​نهر دجلة​، وأهدافها الرئيسة تلخّص بالتالي:
أوّلاً: ضرب البنية العسكريّة ل​وحدات حماية الشعب​(1) التابعة ل​حزب الإتحاد​ الديمقراطي الذي تعتبره أنقره إمتدادًا لحزب العمّال الكردستاني الذي يخوض صراعًا مُسلّحًا ضُدّ ​تركيا​ منذ ثمانينات القرن الماضي، وبالتالي وقف أيّ هجمات مُسلّحة ضُدّ جيشها على الحُدود! وترغب أنقره أيضًا بإلغاء أيّ أمل للأكراد في سوريا بإقامة أيّ نوع من الحكم الذاتي المُستقل قرب حدودها، قد يُشجّع على إنشقاق مواطنيها الأكراد الذين لديهم هذه النزعة الإنفصالية أصلاً، حيث أنّ خوفها الأساسي من أكراد الداخل وليس من أكراد الخارج!.
ثانيًا: مُحاولة إقامة منطقة حدوديّة فاصلة على حدودها مع سوريا، بعرض يزيد عن 400 كيلومتر، وبعمق يتراوح ما بين 30 و40 كلم. داخل الأراضي السُورية، علمًا أنّ المرحلة الأولى من العمليّة العسكريّة تجري على مساحة بعرض 100 كيلومتر فقط. وتُخطّط تركيا لبناء ما لا يقلّ عن 10 مناطق سكنيّة و140 قرية في المنطقة الحدودية المّذكورة، وذلك بهدف إسكان ما لا يقلّ عن مليون نازح سوري يعيشون في تركيا حاليًا. وهذه المنطقة ستكون-حسب الخُطّة التركيّة، بحماية قوّات سورية مُعارضة مدعومة من أنقره، تحمل إسم "​الجيش الوطني​ السُوري".
ثالثًا: ترغب تركيا بإمتلاك ورقة تفاوض قويّة جدًا على مُستوى الأزمة السُورية، بحيث أنّ إقامة منطقة حدودية تحت سيطرتها وسيطرة قوات مُسلّحة بامرتها، يعني زيادة تأثيرها المُباشر في الأزمة السُوريّة، وبالتالي تثبيت موقعها في أي تسوية مُستقبليّة للحرب الدائرة، بين كبار اللاعبين، وفي طليعتهم ​روسيا​ و​إيران​. وهذه الورقة ستستخدمها تركيا، ليس على طاولة المفاوضات مع روسيا وإيران فحسب، بل أيضًا في عمليّات شدّ الحبال المَفتوحة بين أنقره وواشنطن.
بالنسبة إلى قُدرة الأكراد على مُقاومة هجوم ​الجيش التركي​ المُصنّف في المرتبة التاسعة عالميًا، فهي ضعيفة، على الرغم من شراسة المُقاتلين الأكراد، ومن عدم تردّدهم في القتال والدفاع عن مواقعهم. والسبب أنّ القوى الكرديّة المُسلّحة باتت مكشوفة كليًا، بعد رفع الغطاء الأميركي عنها، والسماح للطيران التركي بقصف مواقعها وتحصيناتها ومخازن ذخيرتها، إلخ... كما أنّ التوغّل البرّي التركي مُحدّد ضمن مسافة مُحدّدة، والجماعات الكُرديّة المُسلّحة غير مُحاصرة، ما يعني أنّها ستكون قادرة على التراجع إلى مناطق أخرى تحت سيطرتها، مع الإشارة إلى أنّ المنطقة المُمتدة بين ​تل أبيض​ و​رأس العين​ هي ذات أغلبيّة عربيّة، على عكس الجزء الأكبر من المناطق السُورية الحُدودية مع تركيا التي تقطنها أغلبيّة كرديّة.
وفي ما خصّ المَواقف الإقليميّة والدَوليّة من العمليّة العسكريّة التركيّة، فإنّ كل المَواقف المُندّدة، الصادرة عن ​مجلس الأمن​ الدَولي وعن الجامعة العربيّة، وعن الكثير من الجهات الأخرى، غير قادرة على وقف التقدّم التركي الذي سيتحدّد عمقه، تبعًا للتطوّرات الميدانيّة على الأرض، وخُصوصًا لحجم الإصابات التي سيُمنى بها الجيش التركي بفعل المُقاومة الكرديّة.
من جهة أخرى، إنّ إعلان سوريا التصدّي للهجوم التركي هو من باب رفع العتب الإعلامي لا أكثر، كون الجيش التركي يتحرّك ضُمن جزء من المنطقة الحدوديّة مع سوريا فقط، ولا يُوجد أي إحتكاك إطلاقًا مع مناطق سيطرة الجيش السُوري. إلى ذلك، من الضروري الإشارة إلى أنّ تخلّي ​الإدارة الأميركية​ عن الأكراد، والذي وصفه مُعارضو الرئيس ​دونالد ترامب​ من الأميركيّين بالخيانة المُشينة للحلفاء، جاء بعد إنتفاء المصلحة الأميركية التي كانت تجمعهم بالتنظيمات الكرديّة خلال مرحلة قتال مُسلّحي تنظيم "داعش" الإرهابي(2). تذكير أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان أعلن في كانون الأوّل من العام 2018، إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش"، وبأنه يُفكّر بسحب القوّات الأميركية من سوريا وعددها كان آنذاك يُقدّر بنحو ألفي عنصر، مُحذّرًا الأتراك من المساس بالأكراد. وفي آب الماضي توصّل الجيشان الأميركي والتركي إلى إتفاق للقيام بدوريّات مُشتركة في المنطقة الحُدوديّة، لتبديد المخاوف الأمنيّة التركية، لكنّ الخلاف بين أنقره وواشنطن عاد وتجدّد نتيجة رفض هذه الأخيرة المُضيّ قُدمًا بخطّة إقامة منطقة حُدوديّة أمنة، لأنّها لم تعد ترغب بالتورّط أكثر في الحرب السُوريّة. كما أنّ ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة التي دخلت أخيرًا في خلاف مع الأوروبيّين بشأن المُعتقلين في سجون قوّات "قسد"، لجهة رفض الدول الأوروبيّة إستعادة المساجين الذين يحملون جنسيّات أوروبيّة كما تُطالب ​أميركا​، تريد توجيه رسالة قاسية للأوروبيّين عبر إستغلال ورقة هؤلاء المساجين الإرهابيّين(3).
وبالنسبة إلى إرتدادت العمليّة العسكريّة التركيّة في ​الشمال​ الشرقي السوري، على الوضع في سوريا ككل، الأكيد أنّ هذه العملية التي أطلقت عليها أنقره إسم "نبع السلام"، لا علاقة لها بالسلام وهي ستتسبّب بمزيد من الضحايا والدمار في إطار الحرب المُستمرّة منذ أكثر من 8 سنوات. وتدخل هذه العمليّة أيضًا، والمُرجّح أن تستمرّ لأسابيع عدّة-في حال فشل الضُغوط الدَوليّة في وقف إنجراف أنقره في مغامرتها، في لعبة المصالح الإقليميّة وفي إطار المساعي الرامية إلى تعزيز أوراق التفاوض. والأكيد أنّ الأكراد ذهبوا ضحيّة صراعات النُفوذ الإقليميّة، وإتفاقات المصالح الدَوليّة. مع الاشارة الى أنّ تقاسم ساحات النُفوذ في سوريا، بين كلّ من روسيا وإيران وتركيا، يسير قُدمًا، في ظلّ إكتفاء الرئيس السُوري بشّار الأسد بالإحتفاظ بمنصبه!.

(1) تُشكّل "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة"، وهي قوى مُسلّحة تابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي الكردي، العمود الفقري لقوات "قسد"، "قوات سوريا الديمقراطيّة" التي كانت قد تأسّست في ​مدينة القامشلي​ شمالي سوريا في 10 تشرين الأوّل 2015.
(2) خاضت "قوات سوريا الديمقراطيّة" معارك شرسة ضُد تنظيم "داعش"، وكذلك ضُدّ "​جبهة النصرة​" عندما حاولت هذه الأخيرة السيطرة على المناطق الكرديّة.
(3) تحتجز "​قوات سوريا الديمقراطية​" نحو 12 ألف رجل يُشتبه بأنهم عناصر في "داعش"، إضافة إلى 70 ألف إمرأة وطفل من أسر وعوائل عناصر التنظيم.