على غير عادته، كان ​لبنان​ "سبّاقاً" في إدانة العملية العسكرية التي تقوم بها ​القوات​ المسلحة التركية شمال ​سوريا​، بل ذهب إلى حدّ اعتبارها "عدواناً على دولة عربية شقيقة واحتلالاً لأرض سوريا"، وفق ما جاء في بيانٍ لوزارة الخارجيّة والمغتربين.
لم يلتزم لبنان هذه المرّة بسياسة "النأي بالنفس" التي تحوّلت خلال السنوات القليلة الماضية إلى ما يشبه "سلاحه الفتّاك" الذي يبرّر فيه "رماديّته" إزاء كلّ الملفّات الكبرى، ولا سيما النزاعات الدموية المتفاقمة في المحيط، من سوريا إلى ​اليمن​، مروراً ب​العراق​ وغيره.
فما هي الاعتبارات التي دفعت لبنان إلى اتخاذ مثل هذا الموقف المتقدّم، وعدم الاكتفاء مثلاً بـ"القلق" كما فعل ​مجلس الأمن​ نفسه؟ وأيّ تأثيراتٍ محتملةٍ لذلك على العلاقات مع ​تركيا​، بعد "اهتزازها" قبل أسابيع أيضاً، على خلفية خطابٍ للرئيس ميشال عون؟!.

موقف موحَّد...


قبل أسابيع، وفي خضمّ الإدانات الدوليّة للهجوم الذي استهدف منشآت شركة "​أرامكو​" ​السعودية​، التزم لبنان الرسميّ الصمت، قبل أن يخرج وزير خارجيّته ​جبران باسيل​ في حديث تلفزيونيّ، مبرّراً ذلك بالقول إنّه لا يستطيع إدانة ضرب منشأة سعودية، من دون أن يدين في المقابل ضرب ​مستشفى​ مثلاً في اليمن.
ومع أنّ كلام باسيل أثار يومها الكثير من الانتقادات، خصوصاً لجهة المثل الذي استند إليه، إلا أنّه جاء ليفسّر "الإحراج" الذي يقع فيه لبنان في مقاربة نزاعاتٍ ذات طابع إقليميّ، على غرار الحرب اليمنيّة، وذلك من بوابة "الخصوصية" اللبنانية الشهيرة. ففي لبنان المنقسم على نفسه، يتجلّى "صراع المَحاوِر" في أبهى حلله، وهو ما برز يومها مع خروج بعض الفرقاء ممّن استنكروا ضربة "أرامكو"، في مقابل آخرين، يتصدّرهم "​حزب الله​"، لم يتردّدوا في الإشادة بالهجوم، ووضعه في إطار "ردّ الفعل"، بل التلويح بهجماتٍ مماثلة قد تستهدف دولاً أخرى في ​التحالف العربي​.
من هذا المنطلق، تبدو كلّ الظروف الموضوعية مختلفة إزاء الهجوم العسكري التركي على القوات الكردية في شمال سوريا، فالموقف يكاد يكون "موحَّداً" بين معظم اللبنانيين إزاءَه، وإن اختلفت المبرّرات والأسباب، علماً أنّ بيان الخارجية ما كان ليصدر بهذا الشكل لولا التوافق حوله بين قيادات الصف الأول، وبالحدّ الأدنى بين رؤساء ​الجمهورية​ و​مجلس النواب​ و​الحكومة​. وإذا كان من الطبيعي أن يكون المحور المحسوب على ​إيران​، والمؤيّد للنظام السوري، في طليعة "مستنكري" الهجوم، وإن كان البعض يتحدّث عن "مكاسب" سيجنيها النظام وحلفاؤه نتيجته، باعتبار أنّه يمثّل خرقاً للسيادة السوريّة قبل كلّ شيء، فإنّ المفارقة تتمثل في وقوف المحور المناهض للنظام، وعلى رأسه السعودية، في الصفّ المعارض للضربة التركيّة أيضاً.

أيّ تداعيات؟!


وفي حين ردّ كثيرون ذلك إلى الخلاف المتفاقم بين هذا المحور والرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​، توازياً مع الأزمة الخليجيّة، فضلاً عن شعور هذه الدول بأنّ مصلحتها تكمن في مواجهة العملية التركية، حتى لا ينجح أردوغان في تحقيق المبتغى منه، وبالتالي إبعادها بشكلٍ أو بآخر عن الساحة السورية، فإنّ ما يمكن تأكيده بالحدّ الأدنى هو أنّ "تقاطع مصالح" بين المحوريْن دفع ​الدولة اللبنانية​ إلى الخروج عن "حيادها"، وإعلان موقفٍ سيُسجَّل لها إقليمياً ودولياً، ويعفيها من "إحراجٍ" دفعت ثمنه غالياً في السابق.
ولكن، ماذا عن تداعيات مثل هذا الموقف، أقلّه على العلاقة مع تركيا، التي اهتزّت أصلاً قبل أسابيع، بعد كلمة الرئيس عون، التي تطرّق فيها إلى تاريخ العثمانيين في لبنان، والتي أدّت إلى نشوب سجالٍ دبلوماسيّ بين البلدين، بدأ عبر استدعاء السفراء، قبل أن يمتدّ إلى الشارع؟!.
قد تكون العديد من السيناريوهات واردة في التعامل مع ذلك، ف​أنقرة​ كانت تتوقّع ردوداً صاخبة على هجومها من ​الدول الخليجية​، وحتى الأوروبية، كانت تنتظر من لبنان بالحدّ الأدنى موقفاً "رمادياً" على جري العادة، خصوصاً أنّه يتقاسم معها عبء ​النازحين​، ما قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات مضادة، قد تقتصر على استدعاء ​السفير اللبناني​ لشرح أبعاد الهجوم من وجهة نظرها، تماماً كما حصل خلال الأزمة الدبلوماسية الأخيرة، أو قد تمتدّ إلى خطواتٍ أخرى، من شأنها هزّ العلاقة التي وصفها وزير الخارجية التركي مولود جاويش خلال زيارته إلى لبنان في آب الماضي، بـ"الواعدة".
بيد أنّ هذا الاحتمال يبقى "مُستبعَداً" برأي الكثير من المراقبين، أولاً لأنّ لبنان مارس حقّه السياديّ، شأنه شأن الكثير من الدول، بالتعبير عن موقفه، خصوصاً أنّ الهجوم جاء من دولة غير عربية على دولة عربية، وبالتالي من الطبيعي أن يقف إلى جانب سيادة الدولة العربية، وثانياً، وهنا الأهمّ، لأنّ تركيا التي يلوّح الغرب بـ"معاقبتها"، بل بـ"سحق اقتصادها"، لن تفتعل مشاكل مع الجيران لن تصبّ في صالحها، خصوصاً أنّ مجالات التعاون تبقى واسعة، ولا سيما في القطاع السياحي، علماً أنّ تركيا لا تزال تشكّل الوجهة الأولى للبنانيين، ما يشكّل عائداً مهماً للأتراك لن يفرّطوا به في هذه المرحلة التي قد تكون "دقيقة" لاقتصادهم، بدليل أنّ الأتراك لم يلوّحوا بإيقاف دخول حاملي الجوازات اللبنانية الى تركيا من دون تأشيرة، حتى إبان الأزمة الدبلوماسية الأخيرة.

استثناء!


بالنسبة إلى لبنان الرسميّ، لا يشبه الهجوم التركيّ في شمال سوريا غيره من النزاعات التي تطلّبت منه الصمت والتفرّج، خشية أن تصل التداعيات إليه.
الهجوم هنا شنّته دولة غير عربية على دولة عربيّة، وهناك شبه إجماع عربي وإقليمي على إدانته، ما شكّل "فرصة نادرة" لالتقاء المصالح بين المحورين السعوديّ والإيرانيّ المتصارعيْن، وإن كان كلٌ منهما تلطّى خلف أسباب متناقضة مع الآخر.
الأكيد أنّ ما حصل هو "الاستثناء"، وأنّ لبنان لم يخرج من عباءة "النأي بالنفس" التي تبقى صالحة للاستخدام في كلّ وقت، وإن كان كثيرون يرون أنّ أيّ مواجهةٍ ساخنة جدية ستفرغها من مضمونها، وتجعل لبنان طرفاً، شاءت الحكومة أم أبت...