معظم القوى السياسية لم تكن تتوقع المشهد الذي طغى على الشارع اللبناني، في ​الساعات​ الماضية، انطلاقاً من قناعتها بأن المخاوف التي لدى الكثير من المواطنين تمنعهم من التحرك في الشارع، خصوصاً أن التجارب السابقة، منذ ​انفجار​ ​أزمة النفايات​، لم تكن مشجعة على هذا الصعيد.
اليوم، يمكن الحديث عن معادلة واضحة فرضها الشارع على القوى السياسيّة المشاركة في ​الحكومة​، لم يعد من الممكن تجاوزها بأيّ شكل من الاشكال، تكمن برفض استسهال عمليّة فرض ​الضرائب​ على الفقراء وذوي الدخل المحدود، بغضّ النظر عن العناوين التي قد تندرج تحتها.
انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم حالة الارباك التي تمرّ بها هذه القوى، التي اختار معظمها الصمت في الساعات الأولى لبدء التحرك، في حين أنّ بعضها الآخر قد يكون تسرّع في الكشف عن موقفه، لا سيما حزب "القوات اللبنانية" و"​الحزب التقدمي الاشتراكي​"، نظراً إلى أنّ الحزبين باتا في موقف محرج، يفرض عليهما الانسحاب من الحكومة، وهي الخطوة التي يفضّلان، منذ أشهر، عدم الإقدام عليها من دون رئيس ​مجلس الوزراء​ ​سعد الحريري​، المتمسّك بمعادلة التسوية الرئاسيّة مع "​التيار الوطني الحر​".
في المقابل، أظهرت الكلمة التي ألقاها وزير الخارجية والمغتربين ​جبران باسيل​، بعد لقائه ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ على رأس وفد من تكتل "​لبنان القوي​"، أنّ الحكومة الحاليّة لا تزال تحظى بدعم أفرقاء أساسيين لا يمكن تجاهل وزنهم السياسي في البلاد، هم: بالإضافة إلى "التيار الوطني الحر"، "​حزب الله​"، "​حركة أمل​"، تيار "المستقبل".
على هذا الأساس، يبدو أن الأفرقاء الأربعة، أو الأقلّ بعضهم، يريدون استغلال الفرصة السانحة اليوم، التي فرضتها معادلة الشارع، لفرض برنامج سياسيّ اقتصاديّ واضح المعالم، وبالتالي تجاوز العراقيل الّتي كانت توضع في وجههم، وهو ما يفسّر مجموعة من العناوين التي سرّبت كعنوان للتحرّكات الشعبيّة، وتشمل رفع السريّة المصرفيّة والحصانات، استعادة الأموال المنهوبة، التصويب على ​منظومة​ ​المصارف​، اقرار الضرائب التصاعديّة على الأثرياء، تعديل قوانين التلزيمات والتدقيق بما سبق منها، تطهير الأجهزة الرقابيّة والقضائيّة.
هذا الواقع السياسي، يفسر المشهدين الأساسيين على الساحة السياسية اليوم، حيث الانقسام بين التصويب على العهد أو الحكومة، وهو ما عبّر عنه رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" النائب السابق ​وليد جنبلاط​، الّذي قرر الذهاب بعيداً في حربه على العهد، الأمر الذي يدفع إلى السؤال عمّا إذا كانت وليدة السنوات الثلاث الماضية، أما أنّها نتيجة تراكمات تزداد منذ اتّفاق ​الطائف​، وكان فيها جنبلاط شريكاً أساسيًّا في الحكم، ويعتبر في المعادلة "الرئيس الرابع"؟.
في هذا الاطار، يمكن القول أنّ البلاد، في المرحلة الراهنة، أمام مفترق طرق، ينبغي التوقّف عنده ملياً قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، لأنّ المطلوب ليس العودة إلى الاصطدام بأنصار الأحزاب أو الدخول في فوضى عارمة، بل أن تكون التحرّكات الشعبيّة عامل ضغط يمكن الاستفادة منه لتحقيق انجازات كبرى، بعيداً عن الشّعارات التي يدرك الجميع أنّ من الصعب تحقيقها، لكن هذا الأمر يتوقف على كيفيّة تفاعل الشارع من جهة، وعلى كيفيّة تعاطي القوى السّياسية الأساسيّة مع هذا المعطى الجديد.
في المحصّلة، ​الأزمة​ الأساسيّة التي تواجهها القوى السياسية هي ذات وجهين: الأّول هو غياب الثّقة في ما تطرحه من شعارات ومواقف، وبالتالي أيّ فرصة قد تحصل عليها لن تكون طويلة الأمد، أما الثّاني فهو عدم قدرتها بالعودة إلى زمن الزبائنيّة السابق.