حتى اليوم لا يمكن انكار عفوية معظم التحركات الشعبية في الشارع، وهو ما تتوافق عليه أغلب القوى السياسية، التي كانت عادة تذهب إلى توجيه الاتهامات إلى بعضها البعض بالوقوف خلف أيّ تحرك مطلبي، لكن هذا لا يلغي أن الشارع بات عليه مسؤولية كبيرة، بعد أن تحول إلى عامل الضغط الأكبر على الأفرقاء المشاركين في ​الحكومة​.
في الوقت الراهن، تجتاح التحركات الكثير من المطالب، منها الخاص ومنها العام، وهي نتيجة طبيعية لحالة ​الفساد​ القائمة في البلاد منذ سنوات طويلة، لكن الواقع الراهن لا يمكن أن يستمر طويلاً، وبالتالي على الشارع أن يفرز سريعاً قيادة فعليّة تتولى وضع لائحة مطالب واقعية وواضحة معاً، كي لا يكون عرضة للاستغلال من قبل الكثير من الجهات، المحلية والخارجية، الطامحة إلى ذلك، والتي بدأت بالسعي إلى الاستثمار في أوجاع المواطنين، فالعاطفة وحدها لا تكفي للوصول إلى نتيجة، بل المطلوب أن يقود العقل لمنع الانزلاق في المجهول.
ضمن هذا السياق، تبرز الكثير من المطالب، منها الذهاب إلى حكومة عسكريّة أو تشكيل حكومة جديدة من شخصيات مستقلة، ومنها الدعوة إلى تنظيم ​انتخابات​ نيابية مبكرة على أساس تحديد فترة انتقالية، ومنها الدعوة إلى إسقاط كل النظام القائم، بالإضافة إلى الكثير من الاقتراحات التي تقدم من مواطنين، فتحت لهم ​وسائل الاعلام​ الهواء للتعبير عن مشاعرهم على مدار الساعة، في مقابل سعي القوى الأساسية المشاركة في الحكومة إلى الإسراع في وضع ورقة اصلاحية تستوعب من خلالها النقمة الشعبية، الأمر الذي يدفع إلى السؤال لماذا لم تقم بذلك قبل الآن، ولماذا لم تكن تذهب إلى المصادر التمويليّة التي لا تمس الفقراء وذوي الدخل المحدود في السابق؟.
من خلال ما تقدم، يمكن القول أن ​لبنان​ اليوم أمام مشهدين واضحين، يسيطر عليهما الغموض والفوضى، الأول تمثله القوى السياسية التي لا تدرك كيفية التعامل مع شارع خرج عن سيطرتها للمرة الأولى منذ إعلان تأسيس دولة لبنان ربما، بعد أن كانت ترفع في وجهه الكثير من العوائق لمنعه من التحرك، أبرزها التركيبة الطائفية والمذهبية والتخويف من الآخر في الوطن، أما الثاني فيمثله الشارع المنتفض في معظم المناطق، الذي على ما يبدو لن ينسحب قبل تحقيق نتائج مهمة، تكون على الأقل بمثابة رسالة إلى كل المشاركين في الحكم منذ ​اتفاق الطائف​ حتى اليوم، لكنه في المقابل يفتقد إلى التنظيم والقيادة، لم يقدم أي صورة واضحة لما يريد الوصول اليه، الأمر الذي يهدّده بخسارته كل ما حققه حتى الآن من انجازات.
قد يظن الكثيرون أن من المبكر الحديث عن هذا الأمر، أو أن الغموض هو جزء من العمل الثوري الذي يسود عادة، لكن الواقع اللبناني لا يمكن انكاره أو تجاهله، وبالتالي ينبغي التعامل معه بدقة، فلا يمكن الاستماع إلى ما يعبّر عنه المواطنون من دون التماس مخاوفهم أيضاً، والتي قد تكون أصدق من أي أمر آخر، وربما يكون أبرزها رفضهم أن يتحمل المسؤولون في طوائفهم المسؤولية وحدهم، بالوقت نفسه الذي يعلنون فيه الخروج من عباءة هذه الزعامات، لا بل أن بعضهم يهدد بالتصعيد أكثر في حال حصول مثل هذا السيناريو، وهو ما يؤكد أنه في حال تسرب معلومات عن وقوف جهة ما، محلية أو خارجية، خلف هذه التحركات سيفقدها الكثير من بريقها الحالي.
في المحصلة، قد يكون الغموض القائم هو العامل الأبرز في حشد المواطنين، لكن الأكيد أنه لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالمطلوب ليس البقاء في الشارع فقط بل طرح الحلول من أيّ نوع كانت، ليختار عندها من يريد تأييدها أو رفضها، كي لا تترك الفرصة قائمة لمن سيعمل على خط الاستغلال، وكي لا تضيع فرصة قد لا تتكرر في ​المستقبل​.