هل هي فعلاً ثورة الشعب المنتظر ضد الفساد والفاسدين؟ وهل جميع الذين هم في الساحات كباراً وصغاراً نزلوا إليها إعتراضاً على الوضعين المعيشي والإقتصادي؟ ماذا عن محاولات البعض الهادفة الى تسييس التظاهرة؟ وماذا عن إسقاط رئيس الجمهورية والعهد بكامل مكوناته والحكومة والمجلس النيابي؟.

اسئلة كانت ولا تزال حديث الصالونات والمجالس الأول، والأجوبة عنها لا يمكن الحصول عليها إلا من الشارع نفسه والساحات نفسها، كل ذلك شرط أن تزور كل الساحات والشوارع للإطلاع بأم العين على مكونات هذه الثورة.
بالتأكيد جميع الذين في الشارع متضررون من الوضع المالي والإقتصادي ولكن ما هو أكثر من مؤكد، هو أنّ من بين هؤلاء هناك مجموعات نزلت الى الشارع إعتراضاً على الضرائب والفساد والوضع المعيشي بينما تحركت مجموعات أخرى وبأعداد لا يستهان بها بإيعاز سياسي وبهدف تصفية حساباتها مع رجال العهد وأفرقائه.
في الشارع لا سيما في ساحة رياض الصلح هناك مجموعات من المجتمع المدني واليسار والحزب الشيوعي وهي التي كانت أساس التحرك المطلبي لا حسابات سياسية لها، وهي نزلت لرفض فرض المزيد من الضرائب وإقرار موازنة تكافح الفساد حقاً بدءاً بفرض رسوم عادلة ضد المخالفات على الأملاك البحرية وصولاً الى إستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة المرتكبين في الطبقة السياسية.
وفي الشارع أيضاً مواطنون عاديون لم يعد بإمكانهم تحمّل المزيد من الضرائب خصوصاً في بلد لا تشرق فيه شمس من دون أن تنفجر معها فضيحة فساد من العيار الثقيل.
في الشارع عسكريون وأساتذة (مدارس وجامعة لبنانية) متقاعدون أزعجت جيوبهم موازنة العام ٢٠١٩ فنزلوا إستباقاً لـمواجهة موازنة العام ٢٠٢٠.
أيضاً هناك في الشارع الناجحون في مجلس الخدمة المدنيّة ولم تصدر بعد مراسيم تعيينهم لعدم وجود توازن طائفي بين الناجحين. وهناك ايضاً الموظفون المطرودون من مؤسّسات تيار المستقبل كسعودي أوجيه وتلفزيون وصحيفة المستقبل ومكاتب التيار ومنسقياته في المناطق، هؤلاء دفعتهم تعويضاتهم التي لم يحصلوا عليها بعد إلى الشارع.
في الشارع أهالي طُفّار البقاع الشمالي نزلوا للمطالبة بالعفو العام وبتشريع زراعة الحشيشة.
وفي الشارع أيضاً أهالي الموقوفين الإسلاميين ومطلبهم الأول العفو العام.
بين من ذكرناهم أعلاه لكل واحد مطلب أو مجموعة مطالب ولكن هناك في الشارع نفسه مجموعات تحركت بإيعاز سياسي وكل ما ترفعه من شعارات يقتصر على مهاجمة العهد ورئيس الجمهورية وشتم وزير الخارجيّة جبران باسيل ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط.
في كسروان والكورة تحركت القوات اللبنانية لمهاجمة العهد وضد باسيل. في عاليه والشوف تحرك الحزب التقدمي الإشتراكي ضد العهد أيضاً. في بريتال ودورس نزل الى الشارع مناصرو الشيخ صبحي الطفيلي ضد "حزب الله" وحركة "أمل". وفي جل الديب ونهر الموت تحرك الكتائبيون ضد العهد أيضاً. أما في طرابلس المدينة الأفقر في الشرق الأوسط فبالإضافة إلى الفقراء والعاطلين عن العمل، دفع زعماء المدينة السنّة بالمناصرين الى ساحة النور لتصفية الحسابات بين بعضهم البعض فتارة تهاجم مجموعة الحريري فترد عليها أخرى بالهتافات ضد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي. لدى مناصري الأحزاب لا تحضر كثيراً المطالب المعيشية وحتى لو أن قياداتهم طلبت منهم عدم رفع أعلام إلا تلك اللبنانية تبقى شعاراتهم مسيّسة ومواجهة العهد وورموزه.
ها هي حقيقة الساحة والشارع، بين مطلب وآخر تختلف الحسابات والإعتبارات، وعلى الرأي العام أنْ يعرف هذه الحقيقة جيّداً لأن الثورة التي ترونها بعض منها حقيقي والبعض الآخر مزيّف، والمزيّف هنا تمثله الأحزاب التي تريد إسقاط الحكومة للعودة إليها من جديد ولكن بشروط ومعادلات جديدة.