قد يكون العامل الأبرز في عدم التعامل بإيجابية مع الورقة الاصلاحية التي قدمتها حكومة ​سعد الحريري​، هو غياب الثقة بقدرة وجديّة المشاركين فيها على تنفيذ الوعود التي قطعوها، لكن في المقابل القدرة على تحمل الاستمرار في تعطيل البلاد من دون وجود أيّ أفق عملي لم تعد كبيرة، وهنا يتحمل ​الحراك الشعبي​ في الشارع المسؤوليّة، لا سيّما مع اصراره على ​قطع الطرقات​ بين المناطق ال​لبنان​ية.
حتى الساعة، لا يملك أحد في لبنان جواباً واضحاً عما يريده المتظاهرون في الشارع: اسقاط ​الحكومة​ أم العهد؟ ​الانتخابات​ المبكرة أم المرحلة الانتقاليّة؟ اسقاط النظام أم اصلاحه؟ كما أن أحداً لا يملك القدرة على تحديد من يتكلم باسم هؤلاء في حال قررت السلطة التفاوض معهم، أو حتى تسليمهم ​القيادة​ طالما أنّ بعضهم بات يعتبر نفسه "الشرعية".
بعض الشخصيات، التي تُصنف نفسها قياديّة في هذا الحراك، تعتبر أن من الأفضل عدم تحديد أيّ قيادة أو مطالب، وبالتالي الاستمرار على ما هو الوضع عليه اليوم في الشارع، كي لا يؤدّي ذلك إلى انقسام المتظاهرين بين رافض لهذه القيادة أو معارض لما حدّد من مطالب، لكن عملياً هذا التصرف يشبه إلى حد بعيد ما كانت تقوم به السلطة على مدى سنوات طويلة، أيّ "الغشّ" و"الخداع" بهدف الاستغلال الشّعبي، وليس هناك ما يمنع أن يكون لدى المتظاهرين أكثر من قيادة، لا بل قد يكون الأمر صحياً، خصوصاً أنهم من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة.
ما يراه البعض في الحراك الشعبي هو الخيار الأفضل، قد يكون الخدمة الأكبر التي تقدم إلى القوى المشاركة في السلطة، التي لا تزال حتى الساعة في موقع السعي إلى الاستثمار أو ركوب الموجة، لكن ليس هناك ما يمنعها من الذهاب إلى الاتّهام بأنّ المتظاهرين لا يريدون إلا الفوضى، خصوصاً مع ارتفاع أصوات المواطنين المطالبين بالعودة إلى حياتهم الطبيعيّة، نظراً إلى أنّ القسم الأكبر من اللبنانيين لا تسمح له أوضاعه الاقتصاديّة بالبقاء دون عمل أو بحالة من الشلل التام لفترة طويلة.
من الناحية العمليّة، لبنان بات اليوم أمام مشهدين: الأول تمثله السلطة السياسية العاجزة عن اقناع المتظاهرين بالخروج من الشارع، الأمر الذي يحول دون نجاحها في تنفيذ أي من الوعود التي قطعتها في حال كانت صادقة بها، وهو ما يُفسر حالة الارباك التي تمر بها منذ يوم الخميس الماضي، أما الثاني فيمثله الحراك الشعبي العاجز عن تقديم الأجوبة على الكثير من الأسئلة التي تطرح، والتي ستزداد يوماً بعد آخر، ما سيعقّد المسألة أكثر فأكثر.
وسط كل ذلك، هناك مخاوف حقيقيّة تكبر بالتزامن مع هذا الواقع، وربّما تكبر على نحو أخطر مع اقتراب موعد نهاية الشهر الحالي، حيث سيكتشف المواطنون أنهم على موعد مع استحقاقات كثيرة عاجزين عن الوفاء بها، ما سيدفعهم إلى المطالبة بأيّ حلّ، الأمر الذي يحتم العودة إلى التعامل مع الظرف الراهن بالكثير من الواقعيّة، لا سيما من جانب الحريصين على الحراك الشعبي، كي لا تضيع الانجازات التي نجح في تحقيقها.
في المحصّلة، الخدمة الأكبر التي يقدّمها الحراك الشعبي إلى السلطة السّياسية، هي الابقاء على الوضع الراهن من دون التقدّم أيّ خطوة إلى الأمام، لأنّه لا يستنزفها بل يستنزف المؤيّدين له.