لم تحظَ استقالة وزراء "​القوات اللبنانية​" من الحكومة بـ"الطنّة والرنّة" التي كانت قيادة "القوات" تعوّل عليها، بل إنّ الاهتمام الإعلاميّ والسياسيّ بها بدا شبه معدوم، أقلّه بالمقارنة ​النسبية​ مع التحركات الشعبية التي فرضت نفسها أولوية على كلّ ما عداها.
بدا حدث الاستقالة ثانوياً أو هامشياً في الأجندة السياسيّة، ولم تُرصَد أيّ انعكاساتٍ له على أرض الواقع، حتى أنّ رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ الذي قيل إنّه سيرفض الاستقالات، لم يتطرّق إلى الموضوع بتاتاً خلال حديثه للإعلاميين بعد جلسة ​مجلس الوزراء​ الأخيرة.
وتوازياً، لم تؤدّ خطوة "القوات" إلى "استثنائها" من القوى المغضوب عليها، والتي يتحرّك الشارع ضدّها، إذ بقيت مشمولة بشعار "كلن يعني كلن" الذي يصرّ عليه معظم المتظاهرين، فضلاً عن شعاراتٍ أخرى وُجّهت ضدّ رئيسها ​سمير جعجع​ شخصياً.
فهل أخطأت "القوات" بالاستقالة السريعة، وغير المنسَّقة مع شركائها، من الحكومة؟ وهل يمكن أن تعيد النظر بها كما ألمح رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ الذي دعا إلى التريّث في حسم الموضوع؟!.

لا ثمار؟!
بالنسبة إلى خصوم "القوات"، فإنّ الأخيرة تسرّعت بإعلان الاستقالة من الحكومة، من دون التنسيق مع شركائها وحلفائها، فكانت النتيجة أنّها لم تجنِ أيّ ثمار يمكن أن تبني عليها، لا على مستوى السلطة، ولا على خطّ الشارع، لتصبح خسارتها مضاعفة: طلاقٌ مع الحكومة، ومراوحةٌ مع الشارع.
فعلى مستوى الحكومة، ليس خافياً على أحد أنّ شركاء "القوات" على طاولة مجلس الوزراء لم يكونوا راضين عن خطوتها، بل إنّهم قرأوا فيها "لعبة خبيثة" حاولت من خلالها قيادة "القوات" أن تغسل يديها من حكومةٍ أصرّت على الانضمام إليها مهما كان الثمن، ولو بالحدّ الأدنى بعدما تمّت محاصرتها، وأجبِرت على تخفيض مطالبها وشروطها.
وبمُعزَلٍ عن الدور الذي لعبته "القوات" داخل مجلس الوزراء، والذي يتّهمها البعض بأنّه كان من أسباب "الشلل" الذي عانت منه الحكومة منذ ولادتها، فإنّ الاستقالة "الفرديّة" جاءت برأي هؤلاء الشركاء لتشكّل ما يشبه "التمرّد" على وقع ضغط الشارع، خصوصاً أنّ قيادتها كانت تصرّ على أنّ الاستقالة لا تجدي نفعاً، وأنّ المعارضة من الداخل أهمّ، بل إنّها كانت تدخل في "حروب شعواء" مع المعارضين الآخرين، وعلى رأسهم حزب "الكتائب"، ليتبيّن لها في النهاية أنّ حساباتها لم تكن صحيحة.
أما على مستوى الشارع، فإنّ الواضح أنّ الاستقالة لم تغيّر الكثير على الأرض، سوى في بعض المناطق المحسوبة أصلاً على "القوات"، والتي كان المحازبون استبقوا الاستقالة أصلاً للمشاركة في التحرّكات فيها، من دون أن يخلو الأمر من بعض الإشكالات بسبب التعرّض لجعجع. إلا أنّ وجود هؤلاء في ساحات الاعتصام الرئيسية، خصوصاً في ساحتي الشهداء و​رياض الصلح​، بقي غير مرحَّبٍ به، علماً أنّ الأمر يبدو بديهياً، طالما أنّ حزب "الكتائب" نفسه، المتموضع في المعارضة منذ انطلاقة العهد، وجد من يطرده من الساحات...

لا عودة للوراء...
لم تحقّق "القوات" إذاً المرجوّ من استقالتها. لا يكفي أنّ الخبر لم يتصدّر عناوين التغطية الإعلامية، حتى في اليوم الأول لها، بل إنّها لم تؤدّ إلى أيّ إفرازاتٍ جدّية وواقعيّة، فيما رئيس الحكومة الذي تؤكد "القوات" تفهّمه لموقفها، يصرّ على تجاهل الأمر بالمُطلَق، في ظلّ غياب أيّ تعليقٍ رسميّ له عليه حتى الساعة.
يقول المقرّبون من "القوات" إنّ هذا الأمر لم يكن مفاجئاً، فلدى الحريري أولويّاتٌ في هذه المرحلة، تتخطى خطوة استقالتها أو البحث في تداعياتها، خصوصاً أنّه "يصارع" أصلاً من أجل تفادي استقالته الشخصيّة، بدليل أنّه لم يبحث حتى الآن كيفية ملء الشواغر التي نجمت عن استقالة وزراء "القوات"، أو اللجوء إلى تعديل وزاري محدود أو موسّع، ريثما يتمّ حسم مصير الحكومة برمّتها، وسط آراء متباينة بهذا الشأن.
لكنّ ما يقوله "القواتيون"، بمُعزَلٍ عن موقف بعض المكوّنات الحكوميّة التي تصرّ على المكابرة، وفي مقدّمها "​حزب الله​" و"​التيار الوطني الحر​"، أنّ الحكومة سقطت عملياً على أرض الواقع، بدليل أنّ الخطة الحكوميّة التي أقرّت لم تلقَ الصدى المطلوب، بل إنّها أدّت دوراً عكسياً، فبدلاً من إخماد نبض الشارع، بدا أنّ الأخير زاد، وأنّ الإقبال على المشاركة في التحرّكات يزداد يوماً بعد آخر بدل أن ينقص.
الأكيد بالنسبة إلى هؤلاء، أنّ لا عودة إلى الوراء، وبالتالي لا إعادة نظر في القرار، كما ألمح رئيس مجلس النواب الذي غمز من قناة "بعض الظروف التي قد تطرأ وتدفع القوات إلى إعادة النظر"، لأنّ "القوات" لم تقدم على هذه الخطوة إلا بعدما شعرت أنّ لا فرصة أمام الحكومة لأيّ حلّ، وهي تأخّرت أصلاً في اتخاذها حتى يلاقيها "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" في منتصف الطريق، إلا أنّها أقدمت عليها عندما وجدت أنّ الأخير تراجع أمام الضغوط، وهو حقّه في نهاية المطاف.

"كلن يعني كلن"
"كلن يعني كلن"، يقول الشارع "المنتفض" على كلّ القوى السياسية المشاركة في الحكومة، بل المتعاقبة على الحكم منذ عقودٍ، والتي أوصلت جميعها الوضع إلى ما هو عليه اليوم.
حاولت "القوات" أن تستثني نفسها من هذه المعادلة، معتبرةً أنّ الانتفاضة هي ضدّ "العهد" أولاً وأخيراً، ما يخدم أجندتها السياسية، بعد "الغدر" الذي تقول إنّها تعرّضت له من رموزه، والذي جعلها في الحكومة أشبه بـ"شاهد زور"، من دون أيّ مكتسباتٍ، ولو لحفظ ماء الوجه.
يقول البعض إنّها خسرت "الجبهتين" دفعةً واحدةً. لم يعد لها مكانٌ في الحكومة، بل إنّ "العهد" كان مغتبطاً بخروجها، ولا يبدو أنّ الشارع سيرحّب بها، حتى لو أراد بعض من فيه ذلك، باعتبار أنّ ذلك من شأنه أن يُفقِده نقطة قوته الأساسيّة، وقوامها معارضة الجميع، من دون استثناء.
وبين هذا وذاك، وأبعد من "المكابرة" التي يصرّ عليها البعض، أو التلهّي بـ "قشور" المكاسب أو الخسائر من خطوةٍ من هنا أو هنالك، فإنّ الأكيد أنّ المطلوب من الجميع، مقاربة من نوعٍ مختلف، لا تبدأ سوى باستيعاب الحراك الشعبيّ، بعيداً عن محاولات توظيفه واستغلاله...