عندما انطلق ​الحراك الشعبي​ في السابع عشر من تشرين الأول المنصرم، كان العنوان الأول الذي أثار الانتباه يتلخّص بانعدام الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة، بمختلف تشعّباتها وانتماءاتها، وهو ما أدّى إلى إسقاط الحكومة على رغم الوعود الإصلاحيّة الكثيرة التي أطلقتها، ولم تجد من يصدّقها على الأرجح.

اليوم، يبدو أنّ عدوى "الحراك" وصلت إلى قلب ​السلطة​ نفسها، أقلّه لناحية انعدام الثقة بين أحزابها، وهو ما تجلّى بشكلٍ واضحٍ خلال الأيام الماضية، إذ إنّ ما حُكي عن "تفاهمٍ" بين أركانها على تركيبة الحكومة وهويّة رئيسها، أدّى إلى تحديد موعدٍ للاستشارات، لم يبدُ حاسماً، وبقي "متأرجحاً" بين أخذٍ من هنا وردٍّ من هناك.
وقد يكون التدقيق في "رزنامة" الاستشارات كافياً للدلالة على مثل هذا "التوجّس"، خصوصاً لجهة وضع كتلة "المستقبل" في الصدارة، ربما ليُبنى على الشيء مقتضاه، ما يوحي بخشيةٍ حقيقيّةٍ لدى قوى الأكثرية النيابية، وتحديداً الثنائيّ الشيعيّ و"التيار الوطنيّ الحرّ"، من "انقلابٍ" يُعِدّ له رئيس الحكومة المستقيل ​سعد الحريري​...

"أزمة" ثقة!


على رغم "شراكتها" على مدى سنوات في "جنّة الحكم"، وكلّ ما ترتّب عنها من اتفاقاتٍ وتفاهماتٍ وتسوياتٍ، يبدو أنّ لا ثقة بالمُطلق بين الأحزاب السياسيّة، وخصوصاً تلك التي "تعايشت" على الطاولة الحكوميّة الواحدة، طيلة فترة "العهد" وحتى ما سبقه، في نتيجةٍ يعتبرها كثيرون من "إفرازات" الحراك الشعبيّ وثمراته التي تحقّقت سريعاً.
ليس ذلك بخافٍ على أحد، إذ يكفي أن يُطالَب رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري بإصدار بيانٍ واضحٍ وشفّافٍ يقول فيه علناً ما قاله في الكواليس وفي الغرف المغلقة لناحية دعمه المرشح "التوافقي" ل​رئاسة الحكومة​ ​سمير الخطيب​ للدلالة على وجود "أزمة ثقة" حقيقية في الأجواء، "أزمة" عزّزها الحريري عملياً ولم يبدّدها بقوله إنّ "كلمته" تكفي.
وهنا، يقول "المتوجّسون" إنّ ​الأزمة​ ليست وليدة اليوم، باعتبار أنّ للحريري "سوابق" على هذا الصعيد، لعلّ أبرزها إقدامه على الاستقالة على وقع ​الاحتجاجات​ الشعبية، بشكلٍ فرديّ ومن دون التنسيق مع أحد، بل من دون خوض مفاوضاتٍ جدية حول الخيارات البديلة، على رغم الاتفاق المُسبَق على أنّ الاستقالة ليست الحلّ، وعلى أنّ الأهمّ يبقى المضيّ في خطّة الإصلاحات، وهو ما يرى أصحاب هذا الرأي أنّه أثبت نجاعته، بعدما دخل البلد في الفراغ والمجهول على أكثر من مستوى.
وإلى "السوابق"، يتوقّف "المتوجّسون" عند مؤشّراتٍ كثيرةٍ لا توحي، برأيهم، بنضوج الاتفاق، قد يكون أبرزها عدم توفير الحريري للغطاء السنّي المطلوب، بدليل ما صدر عن رؤساء الحكومات السابقين، الذين نشأ ناديهم أصلاً ليشكّل مظلّةً للحريري، بحيث يجاهر بما يعجز الأخير عن النطق به لاعتباراته السياسية الخاصة، من رفضٍ واضحٍ وصريحٍ للتسوية، بل من اعتراضٍ مُطلَق على اسم المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الحكومة، على قاعدة أنّ المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد لا يمكن أن تكون "حقل تجارب"، لمن لم يمارس العمل السياسي، لا نيابياً ولا وزارياً، قبل اليوم.

"الاحتياط" واجب؟!


بالنسبة إلى "المتوجّسين"، فإنّ كلمة الحريري لا تبدو كافية لتبديد "الهواجس"، خصوصاً أنّ "نظرية المؤامرة" التي يؤمن بها معظم هؤلاء، تتمثّل في هذا السيناريو بفرضية "انقلابٍ" يمكن أن يقوم به الحريري في اللحظة الأخيرة، علماً أنّ كثيرين لا يزالون مقتنعين بأنّ الرجل لا يفعل سوى "المناورة"، وأنّه لا يزال يراهن على سقوط "التسوية"، ليرسو الخيار عليه من جديد، لكن كـ "مُنقِذٍ" وبشروطه هو.
ولأنّ "الاحتياط" واجب، يبدو أنّ فريق الأكثرية النيابية بدأ يُعِدّ لـ "الخطّة باء" التي يمكن أن يلجأ إليها في حال حصول أيّ "انقلابٍ" في المُعطيات قبل موعد الاستشارات، أو حتى خلالها، وهو ما يفسّر "تعمّد" ​رئيس الجمهورية​ وضع كتلة "المستقبل" في صدارة ترتيب المواعيد، تفادياً لأيّ "لغطٍ" يمكن أن يحصل. ويقول العارفون إنّ خريطة الاستشارات بالكامل ستكون "مرهونة" لموقف الكتلة "الزرقاء"، التي إما تعطي "الميثاقية" السنية للخطيب، أو تحجبها عنه، وبناءً على ذلك تُحدَّد كلّ الخيارات.
ويبدو أنّ كلّ السيناريوهات تبقى واردة والخيارات مفتوحة بانتظار "إثنين الاستشارات"، خصوصاً أنّ مبدأ حكومة "اللون الواحد" لا يزال مرفوضاً بالمُطلَق من جانب قوى الأكثرية، وبالتالي فهي لن تقدم على تسمية الخطيب إذا لم يحظَ الأخير بدعم كتلة "المستقبل"، وهي قد تذهب في هذه الحال إما إلى تسمية الحريري نفسه لتحميله المسؤوليّة، أو تبنّي المرشح الذي تختاره الكتلة "الزرقاء"، أو الامتناع عن التسمية ما من شأنه تعطيل الاستشارات، على رغم إدراكها أنّها قادرة على إيصال الخطيب، ولو بأكثرية خجولة ومتواضعة.
ومن باب "الاحتياط" أيضاً، يربط كثيرون تأجيل الاستشارات حتى الإثنين، على رغم أنّها كان يمكن أن تحصل الخميس أو الجمعة، بالرغبة في "جسّ نبض" الشارع، خشية الدخول في متاهاتٍ جديدةٍ، خصوصاً في ضوء مؤشّراتٍ تتحدّث عن أنّ الشارع قد "ينتفض" رفضاً لتسمية الخطيب، وهو ما لا يبدو الحريري برأيهم "بريئاً" من الدفع إليه، ولو بشكلٍ غير مباشر. إلا أنّ ما يُحكى عن ​قطع طرقات​ لمنع النواب من الوصول إلى ​قصر بعبدا​، فمن شأنه أن يسجّل برأيهم، "نقطة سوداء" في سيرة "الحراك"، الذي كان يطالب باستشاراتٍ فوريّة، بمُعزَلٍ عن النتيجة، فإذا به يسعى لتعطيلها قبل أوانها، اعتراضاً على النتيجة المتوقَّعة!

تسوية "منقوصة"!


لا توحي الوقائع المتداولة بأنّ الأزمات اللبنانية المتشعّبة، والأزمة الحكوميّة على رأسها، تقترب من الحلّ، على رغم ما يُحكى عن تسوياتٍ واتفاقاتٍ، أدّت إلى تحديد الإثنين المقبل موعداً للاستشارات المؤجَّلة منذ استقالة ​حكومة الحريري​.
وإذا كانت الاستشارات هي الخطوة الأولى والضرورية في مسار تشكيل أيّ حكومة جديدةٍ، فإنّ لـ "الحراك" مبرّراته للاعتراض على ما يعتبرها "تمثيلية" من حيث السيناريو والإخراج، خصوصاً بعد التسريبات التي دلّت على أنّ شيئاً لم يتغيّر في عقليّة "​المحاصصة​" التي يتمّ من خلالها تقاسم الحقائب، أو ربما "المغانم".
ولكلّ هذه الأسباب وغيرها، يبدو أنّ "التسوية" لا تزال "منقوصة"، وهي تفتقد "الحصانة" المطلوبة، بالنظر إلى "أزمة الثقة" المتفاقمة بين قوى السلطة، عدا عن تلك المعروفة بينها وبين الشعب الثائر، ما يجعل الاستشارات مهدَّدة برمّتها، وأيّ تكليفٍ يصدر عنها "معلَّقاً" حتى إشعارٍ آخر...