ماذا بقي من ​لبنان​ المغترب؟ ماذا بقي من أحلام ​المهاجرين​ اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون رسائل الأهل القليلة والبعيدة. ماذا بقي من زغاريدهم وسط شوراع ​مانهاتن​ في الثالث من تشرين الأول 1920، حين رقصوا ودبكوا وغنوا في الكنائس والساحات يوم تبلّغوا عن إعلان دولة لبنان الكبير في اليوم الأول من أيلول 1920.

الإنتشار اللبناني وإن تعدّدت أماكنه، يبقى الحنين الى الوطن جامعاً لأبنائه لا تنتهي صلاحيته. لكن ما تغيّر هو الأداء اللبناني في الإغتراب مع مرور الزمن. مع المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير التي طالما انتظرها ​اللبنانيون​ في الوطن والمهجر، بعد عقود من الظلم والإضطهاد العثماني، لا بد من قراءة سريعة لطبيعة الحراك اللبناني في الخارج وكيف حافظ في ذلك الزمان، على لغته وتراثه، الى أن أتى زمن العولمة الذي هجرت فيه اللغة العربيّة منازل اللبنانيين المنتشرين، وأصبح الوطن لأغلبيّة اولادهم في ​اميركا​ عبارة عن كبّة وتبّولة ودبكة في أحلى السهرات.
ماذا بقي من لبنانيين صنعوا مجد لبنان في الصحف التي أسّسوها في القارة الأميركية، وراحوا يكتبون عن اضطهاد أبناء جبل لبنان، حتى لفتوا انتباه حكّام اميركا و​اوروبا​ الى الظلم الذي يتعرض له اللبنانيون في لبنان؟. ماذا بقي من الأندية اللبنانية التي تأسست منذ مئة عام في القارة الأميركية وكانت تحمل أسماء "النادي اللبناني العربي"، "نادي فينيقيا"، "النادي اللبناني-السوري"، "نادي الأرز" و"نادي جبل لبنان" واللائحة تطول. كانوا على قدر أهل العزم من مساعدات ماديّة للأهل وقت الشدّة، حين كان يجمعهم العداء للعثماني وهدف الإستقلال وبناء دولة لبنان الكبير .


كانوا على قدر كبير من الثقافة، بعكس ما روت كتب التاريخ التي شوّهت صورة المهاجر اللبناني "بائع الكشّة". كتبوا، أبدعوا وانتشروا، واسّسوا ما يسمّى بالهجرة الأولى.
نحّاتون، بنّاؤون، أطبّاء، أدباء، كانوا يلتقون في أنديتهم التي تحمل أسماء وطنيّة. مكتبة نيويورك ومكتبة الكونغرس تشهدان على مئات الصحف والكتب المنشورة في ذلك الوقت. بين الهجرة الأولى وهجرة الحرب اللبنانيّة، قاسم واحد. هو مساعدة الأهل الّتي لم تتوقّف يوماً. في الأولى، كان وضعهم المادي ميسوراً نسبة للأوضاع في لبنان. ساعدوا، بنوا، أسّسوا، في الوطن الأمّ، وكانت أيّام خير حسب تعبير أولادهم.
اندلعت ​الحرب اللبنانية​، ووصلت شظاياها الى كل بلاد الإنتشار، انقسم اللبنانيون على بعضهم. حلّ الجفاء مكان الإلفة والمودّة، وانقطعت شرايين الإتّصال الثقافي بين بعضهم. راح كل منهم يشدّ على عصب زعيم طائفته، وتفرّقوا عن بعضهم. أُغلقت أنديتهم، وصارت الكنيسة والجامع مكان اللقاء. وصار لكل لبناني علمه وأرزتهالمختلفة باللون والشكل. أغانيهم صارت حزبيّة واختفى صوت فيروز في الحفلات. اما لقاءاتهم انتهت في غالبيّتها بعراك كلامي، حفاظاً على كرامة الزعيم. أصبحت سهراتهم ملوّنة بلون الحزب، وحلّ حزب "القوات" مكان "نادي جبل لبنان"، وحزب "التيّار الوطني" مكان "نادي فينيقيا"، وحزب "الكتائب" مكان "نادي الأرجوان". حتى نشاطاتهم الثقافيّة لم تتعدَّ حفلات العشاء وتوزيع الدروع. وكانت آخر إنجازاتهم، زيارة قامت بها مجموعة من اللبنانيين التابعين للجامعة اللبنانية الثقافية للأمم المتحدة في نيويورك، حيث التقوا مسؤولاً أممياً، سلّموه رسالة تروي سيرة الفساد والمفسدين في لبنان، غير منتبّهين الى دور الأمم المتحدة الفعلي الذي لا يتعاطى في شؤون البلدان الداخليّة، فنشروا غسيل البلد على حبال أروقة المنظمة الدوليّة، لتُطوى بعدها الرسالة في أدراج مكاتبها.
انقسم لبنان في الداخل، وانقسم المنتشرون اللبنانيّون في الخارج. وانشطرت الجامعة اللبنانيّة الثقافية في العالم أكثر ممّا انشطرت سفينة "التايتنك" يوم غرقت في 14 نيسان 1912. وغرقت الجامعة في لجج السياسة اللبنانيّة المشرذمة. وبدل انْ يقتصر دورها في الحفاظ على التراث اللبناني ونشر الثقافة اللبنانية في العالم، راح رؤساء الجامعة المقسومة والإحزاب المنتشرة في الخارج، يحتفلون بزيارات النواب والوزراء الى القارّة الأميركيّة، يوزّعون عليهم دروعاً كتعبير عن الشكر لإنجازاتهم الوطنيّة، وصار حلم اللبناني أن يحظى بصورة تذكاريّة مع ذلك الزعيم ليتفاخر بها امام الأصدقاء وعلى مواقع التواصل الإجتماعي، وانتهى التراث اللبناني في حفلات عشاء توزّع فيها الدروع والخطابات الطنّانة المدّاحة. حتى احتفال يوم التراث اللبناني في نيويورك، لقد غاب التراث بشكل كامل ولم يلحظ الحاضرون أيّ ظلّ له في الحفل.
للأمانة، لا بدّ من التنويه ببعض الأندية اللبنانيّة القليلة التي ما تزال تحافظ على رسالتها بنشر التراث اللبناني، على سبيل المثال لا الحصر، نادي حمّانا الذي ترأسه المحامية ديانا أيوب في كاليفورنيا، والجامعة اللبنانية الثقافيّة في فانكوفر-كندا والتي أسسها القنصل الفخري الدكتور نقولا قهوجي، الرابطة القلميّة الجديدة في نيويورك التي يرأسها الشاعر يوسف عبد الصمد، والجامعة اللبنانيّة الثقافيّة في نيويورك على عهد الرئيس المهندس ألبير متى والأمين العام عاطف عيد. واللائحة ليست طويلة مع هذه الأندية الفريدة التي نشطت في السنوات الماضية ونظّمت لعشرات المحاضرات وكرّمت أدباء لبنان في منظمة الأمم المتحدة.
سؤال واحد يطرح نفسه اليوم، أين هم المغتربون اللبنانيّون، سفينة نجاة لبنان حين يغرق في عتمة الحرب والمؤامرات. لا يختلف إثنان أن اللبنانيين قلقون على الوضع في بلدهم، وهم يتواصلون ويتفاعلون عبر وسائل التواصل بشكل مستمر. لكن ظروف الأزمة الإقتصاديّة التي تضرب العالم بأسره، تحولُ اليوم دون مدّ يد العون الى اللبنانيين المقيمين. يبقى السؤال عن أصحاب الرساميل الكبيرة التي تهزّ حساباتهم المصرفيّة عروش السّياسات في الدول التي يقيمون فيها. فهل يجرؤ هؤلاء على مساعدة البنك المركزي في لبنان. طبعاً لا. فهذا انتحار مالي. ولا أحد يلوم ذوي المشاريع الضخمة، على عدم الإقدام على الإستثمار في الوطن الأم، ولو لعبت العاطفة دورها الجيّاش. يبقى العتب على الدولة اللبنانيّة التي لم تؤمّن حتى اليوم الكهرباء وخطوط الإنترنت وشبكة المواصلات الحديثة، وجسور وطرقات صارت تشبه بحيرات اصطناعيّة لم يشهد العالم مثيلها عند كل زخّة مطر. انتهت الأسئلة ويبقى اللوم على رجال الأعمال اللبنانيين، الذين نُشرت صورهم ونجاحاتهم في الصحف والمجلات اللبنانيّة عندما كانوا يتباهون بخططهم الإستثماريّة التي يستعدّون للقيام بها في لبنان. ما زالت نفس الصحف اليوم تنتظر منهم وقفة تضامنيّة رمزيّة مع أهلهم في لبنان، ومع وطن الأرز الذي يتباهون بوضع صورته في منازلهم. تحيّة لهم وللوفاء.