منذ اليوم الأول لبدء ​الحراك الشعبي​ في الشارع، أي في السابع عشر من تشرين الأول الماضي، تُطرح الكثير من الأسئلة حول الأسباب التي تحول دون إعلان المجموعات الفاعلة فيه عن قيادة واضحة، تستطيع أن تحدد المطالب وتتحدث باسمه، من دون أن يقدم أي جواب مقنع حول الإصرار على الغموض والإختباء وراء الشعارات الكبيرة، كمثل دعوة المسؤولين إلى التفاوض مع "الشهداء".

منذ ذلك الوقت، وكل يوم تقريبا تسعى فيه جهة سياسية، محلية أو خارجية، إلى إستغلال الحراك الشعبي، لتحقيق بعض المكاسب في توازن القوى القائم منذ العام 2005، بين فريقي 8 و​14 آذار​، حيث كانت المواقف من التحركات تتبدل حسب القدرة على الإستفادة منها من هذا الفريق أو ذاك، بينما المجموعات الفاعلة تكتفي بالإعلان عن مواقف كانت في معظم الأحيان خجولة، لم تصل حتى إلى المشاركين في التحركات.
ضمن هذا السياق كان السؤال الدائم عن مطالب الحراك الحقيقية، بعد أن نجحت بعض القوى السياسية في تصويرها على أساس أنها الذهاب إلى تشكيل ​حكومة​ تكنوقراط من خارج الأحزاب والتيارات السياسية، مع ترك هامش من الحرية لعودة رئيس حكومة ​تصريف الأعمال​ ​سعد الحريري​، بينما تلك المجموعات كانت تُصر على شعار "كلن يعني كلن"، وبالتالي تعمل على الترويج لسلة من المطالب تتضمن: تشكيل حكومة إنتقالية، إقرار قانون إنتخابي جديد من خارج القيد الطائفي، الدعوة إلى إنتخابات نيابية مبكرة.
وبعيداً عما إذا كانت هذه المطالب قابلة للتطبيق، لا سيما لناحية ​قانون الإنتخاب​ الجديد الذي تفضله المجموعات الفاعلة في الحراك، الأمر الذي كان يفرض عليها التعامل بواقعية مع الأحداث المفصلية التي تمر بها البلاد، قررت هذه المجموعات، يوم أمس، أن تكشف عن وجه ما يُسمى بـ"هيئة تنسيق ​الثورة​"، التي كانت تتولى إصدار البيانات على مدى الأيام الماضية من دون أن تكشف عن هويتها، وهو ما كان مدار أخذ ورد بين مكوناتها وباقي المجموعات المشاركة في الحراك، لا سيما تلك الناشطة في المناطق،
مباشرة بعد الإعلان الرسمي عن الشخصيات والقوى المشاركة في الهيئة، سارعت شخصيات وقوى أخرى إلى نزع الشرعية عنها، الأمر الذي لا يمكن أن يكون حدثاً عابراً في مسار الحراك، مع العلم أن هيئة أخرى قد تُعلن ومن المرجح أن يخرج من يشكك بشرعيتها أيضاً، في تكرار لسيناريو حراك 2015، الذي لم ينجح في إنتاج قيادة موحدة بل مجموعة من القيادات أضاعت الهدف والعنوان الأساسي لها، أي معالجة ​أزمة النفايات​ التي لا تزال تتفاقم حتى اليوم.
إنطلاقاً من ذلك، يمكن القول أن أي مجموعة من الأشخاص تستطيع اليوم أن تخرج لتعلن عن نفسها متحدثة باسم الحراك الشعبي أو قيادة له، طالما أن المجموعات الفاعلة لم تذهب إلى حمايته من "السرقة"، لا بل تركته عرضة للإستغلال على مدار أكثر من 50 يوماً، وبالتالي قد يكون من الصعب عليها أن تعود إلى المطالبة بحقها به، لا سيما أنها في الأصل لا تملك هذا الحق، نظراً إلى أن الحراك لم ينجح في الخروج من كونه حالة إعتراضية إجتماعية إلى مرحلة المشروع السياسي البديل، الذي يمكن أن يطلب من المواطنين تأييده بعد "إسقاط" ​السلطة​ القائمة.
في المحصّلة، الحراك "السايب" يعلم راكبي الأمواج السرقة، وفي بلد تتداخل فيه المشاريع الإقليمية والدولية مع تلك المحلية، لا يمكن ترك قوة شعبية في الشارع من دون قيادة أو هوية، لأن هناك من سيعمد إلى إستغلالها أو السيطرة عليها، وقد يكون من المفيد أن تدرك باكراً المجموعات الفعالة التي تسعى فعلاً إلى التغيير المنشود، بأن عليها البدء بالتحضير للمواجهة المقبلة، نظراً إلى أن النتيجة الحالية باتت واضحة.