منذ إستقالة رئيس حكومة ​تصريف الأعمال​ ​سعد الحريري​، تحولت الدعوات إلى تشكيل ​حكومة تكنوقراط​ إلى مطلب شعبي طغى على مختلف المطالب الأخرى التي طرحها المتظاهرون، منذ السابع عشر من تشرين الأول الماضي، لكن الكثير من الأسئلة يجب أن تطرح حول ما إذا كان الحلّ للأزمة الراهنة هو فعلاً في الذهاب إلى تشكيل حكومة من هذا النوع.

في هذا السياق، قد يكون من المفيد التذكير بأن هذا الطرح لم يأتِ من فراغ، نظراً إلى أنّ بعض القوى السّياسية كانت تطالب به منذ ما قبل إنطلاق ​الحراك الشعبي​، بهدف واضح وصريح هو إخراج القوى الأخرى التي تختلف معها من ​السلطة​ التنفيذيّة، بينما هناك جهات خارجيّة، إقليميّة ودوليّة، تسعى من خلال هذا التوجّه للإنقلاب على نتائج الإنتخابات النيابيّة الأخيرة، وبالتالي إخراج "​حزب الله​" من ​الحكومة​، بعد أن كانت أبدت إعتراضها عليها سابقاً.
على هذا الصعيد، من الضروري الإشارة إلى أن أغلب الأسماء التي تطرح لتكون جزءاً من أيّ حكومة تكنوقراط، لا تملك أيّ رؤية للخروج من الواقع الإقتصادي والإجتماعي الراهن بعيدة عن تلك التي يقدّمها ​البنك الدولي​ لمختلف الدول التي تعاني من أزمات مماثلة، والتي تقوم بشكل رئيسي على ​الخصخصة​ والإستدانة، كما لا يمكن توقّع أن يعمد رئيس الحكومة المفترض إلى إختيار شخصيّة أو أكثر لدخول الحكومة تعارض أو ترفض هذه الرؤية القائمة أصلاً منذ العام 1992، ما يفرض على المجموعات الفاعلة في الحراك الشعبي الحقيقي الإجابة على سؤال جوهري، يتعلّق بما إذا كان المواطنون خرجوا إلى الشوارع للإستمرار في السياسات الماليّة والإقتصاديّة نفسها!.
بالتزامن، في ظل المنظومة اللبنانيّة القائمة، من الضروري السؤال عن الجهة أو الجّهات التي ستتولى إختيار الوزراء التكنوقراط، التي من المفترض أن تكون القوى السياسية التي ستمنحها الثّقة، وإلاّ من الضروري السؤال عن مصدر الشرعيّة التي ستتولّى بموجبها تلك الشخصيّات الحكم، فهل ستكون قادرة على تجاوز الخطوط الحمراء الّتي من المتوقع أن تصطدم بها، لا سيّما أن تجربة الوزراء التكنوقراط سابقاً، عند حصول أيّ مواجهة مع القوى السياسية الفاعلة، لم تكن مشجّعة، حيث كانت تعمد إلى الإعتكاف أو التراجع، مع العلم أن أغلب تلك المواجهات كانت تقع مع مدراء عامّين هم من رؤسائهم المباشرين من الناحيتين القانونية والدستورية.
إنطلاقاً ممّا تقدم، يمكن القول أن هذا الطرح، فيما لو لم يكن من وجهة نظر بعض الأفرقاء إستهدافاً لهم، مخرجاً مشرفاً للقوى السياسية المسؤولة عن الواقع الراهن، خصوصاً أنه يبعدها عن دائرة المساءلة والمحاسبة، سيكون في حال فشل الشخصيات التي ستصنف تكنوقراط في الحكم من السهل التبرؤ منها، وبالتالي عدم القدرة على محاسبتها شعبياً في صناديق الإقتراع، حيث أنها أشبه بالموظفين الذين يتولّون مهمة لفترة محددة مقابل بدل مادي، هذا إذا لم تسارع الأحزاب والتيارات السياسية إلى الإنقضاض عليها عبر هذه النقطة بالذات.
وسط كل ذلك، لا يمكن تجاوز أحد أبرز الأسئلة التي تطرح بقوة، يتعلق بكيفية تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة الحريري نفسه، رئيس ثاني أكبر كتلة نيابية في ​المجلس النيابي​، والوريث الشرعي للسياسات الماليّة والإقتصاديّة المسؤولة عن إيصال البلاد إلى الواقع الراهن، ما يعني أن أحد أبرز أسباب المشكلة سيكلّف بمعالجتها، ما يدعو إلى البحث في حسم الخيارات بشكل أوضح، لا سيما من جانب المجموعات المؤثّرة في الحراك الشعبي الحقيقي، أيّ تلك التي لا تدور في فلك القوى السّياسية التي ركبت الموجة، فهل هي فعلاً تريد تشكيل حكومة تكنوقراط أم أن المطلوب الذهاب إلى صيغة أخرى من الحكومات؟!، لو كانت الإمكانية متاحة ربما كان يجب أن تكون "ثوريّة"، لكنها غير متاحة لأنّ الحراك الشعبي في الأصل لم يصل إلى مرحلة "​الثورة​".
في المحصّلة، التركيز يجب أن يكون على برنامج عمل الحكومة وخطتها الإقتصاديّة والماليّة والإجتماعيّة بعيداً عن صيغة الحكومة، وقد يكون من الأفضل عدم منح القوى السياسية الفرصة للهروب من المسؤولية، خصوصاً أن الحراك لم يتحول، حتى الآن، إلى مشروع سياسي واضح المعالم، قادر على تقديم نفسه كبديل بدليل الصراعات القائمة بين مختلف المجموعات الفاعلة فيه بشكل شبه يومي، والتي كان أبرزها ما حصل في الأيام الماضية.