إن التأمل المختلف، الذي وضعه قداسة ​البابا​ فرنسيس في الرسالة البابوية "علامة رائعة" والتي تتعلق بشرح معنى ​مغارة الميلاد​ وتفسيرها وقيمتها، وذلك في الثاني من كانون الأول 2019، هو من أجل افساح في المجال للقاء والحوار والفرح ببشارة المولود الذي يجدّد وجه الكون. إذًافالتأمل و​الصلاة​ أمام المغارة والمذود، لا بل امام الطفل الإلهي، في البيت ومع العيلة، وفي العمل مع الزملاء، وفي الشارع مع الأغراب،هو حقا أمرٌ مميز في زمن الميلاد.

لقدوضع قداسة البابا مفاهيم لاهوتية بسيطة ليصل تأمله إلى البشرية أجمع، ولنا نحن ابناء هذا الشرق، حيث نعيش مع المسلمين ونجدهم يزيّنون الطرقات والشوارع والبيوت إحتفالًا بالميلاد المجيد، كما غير المؤمنين، إذ اصبح زمن الميلاد زمنًا يلوّن أيامنا بالأمل والرجاء والحب و​السلام​.
إضافة إلى اللمحة التاريخية عن أول مغارة كانت من وحي للقديس فرنسيس الأسيزي سنة 1223،قدم لنا البابا من خلالها تأملًا في اشخاص المغارة، من رعيان ومجوس إضافة إلى تقليد بعض البلدان من وضع عمال واشخاص التي تعبر عنهاوعن تراثها...من مثل وجه القديسة مريم المتأمل، و​القديس يوسف​ الحارس،وصولا إلى الطفل الإلهي فاتح اليدين ليحتضن بفرح كلّمن يأتي إليه.
لا تخلو الرسالة من بعض المفاهيم اللاهوتية ​الجديدة​ التي تطال عصرنا بدلالات تحاكي ثقافة إنسان اليوم. في المقدمة كتب قداسته "حين نتأمل في مشهد ​عيد الميلاد​، للانطلاق والسير بالروح، منجذبين من تواضع ذلك الذي أصبح إنسانًا للقاء كلّ انسان، فنكتشف أنه أحبنا كثيرًا حتى أراد أن يتحد بنا لنتمكن نحن أيضًا من الاتحاد به". انطلاقًا من مشهدية التأمل يضعنا في "السير بالروح" وما يحمل هذا التعبير من دلالات في مسيرة الإنسان الحياتية لمواجهة التحديات التي تعترض الإنسانيّة. فإذا تزين الإنسان بموهبة الروح، لا شيء يوقف هذه المسيرةالدينامية نحو الحقيقة، ولا عائق إجتماعي ولا إقتصادي ولا صحي... لأننا سنصاب بالدهشة "من تواضع ذلك الذي أصبح إنسانًا للقاء كلّ إنسان".
نعم إنّ يسوع الذي تجسد، أتى أولًا ومازال يبحث عنا للقائنافي مختلف ميادين ​الحياة​. إنّ ​البابا فرنسيس​ لا يقدم يسوع كمخلص كما اعتادت المفاهيم اللاهوتية التقليدية من وضعه في مقدمة سر التجسد، حتى ولو كان الهدف الأساس. إنما يريد البابا أن يقدم ابن الله "الكلمة" الذي أصبح إنسانًا للقاء الإنسانًا أولاً، وبالفعل نفسهإذا تم هذا اللقاء الشخصي بين الإنسان والله، بالمعنى الحقيقي،يصبح اسهل على الإنسان قبول الخلاص ومفاعيله في حياته. وقد قال يسوع هذا الكلام عن نفسه "ما جئت لأدعو الصالحين إلى التوبة بل الخاطئين". وطالما أنّ ​الكنيسة الكاثوليكية​ احترمت مفهوم الحرية في الخلاص،فإنّ الإنسان هو حرّ في تقبل هدية الخلاص التي يقدمها الرب كهدية مجانية، أو يحق له رفضها.
إنّ تواضع الله الذي يضيء فوقه النجم في ليلة الميلاد، لا يشبه أي تواضع إنساني، لأنه كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيليبي "أخلى ذاته واتّخذ صورة العبد، صار شبيهًا بالبشر وظهر في صورة الإنسان".أمام هذا التواضع الذي لا يوصف، هل يعقل أن يبقى الإنسان متفرجًا على هذا الحدث الذي يفوق كلّ ادراك!.
يعود البابا في خاتمة الرسالة ليؤكد الفكرة الأحب على قلبه وفكره ليكتب: "تروي مغارة الميلاد محبةَ الله، الذي أصبح انسانًا ليخبرنا أنه قريب جدًا من كل انسان مهما كانت حالته". نعم! تواضع الله، لأن في تواضعه انجذاب وحب صافٍ، تسقط أمامه المفاعيل المادية الفارغة.
هذه قراءة من قراءات التجسد، هو اللقاء بين الكلمة والجسد،بين الله والإنسان. إذ في الميلاديقدم يسوع جسده في خشبة المذود لكي يكون طعامًا، وعلى الصليب لكي يكون قربانًا.
ويختم البابا فرنسيس الرسالة بالقول: "لنحول ذهولنا إلى صلاة متواضعة ولنعبّر عن شكرنا لله ألذي أراد أن يشاركنا في كل شيء حتى لا يتركنا وحدنا".
ونحن أبناء هذا الشرق الذي اختاره الله الآب ليرسل ابنه الكلمة، فيتجسد عندنا، فهل يحق لنا أن نشعر عكس ما يحمله معنى كلمة عمانوئيل، فنتلهّى بالقشور التي أصبحت من أولوياتنا. فلننتفض ونثور ثورةً روحيةً على كلّ فساد في الأرض يشوه ما أعطانا إياه الآب بأنّ نكون له أبناء ب​المسيح​ يسوع!؟.
نعم أيها الإنسان من أي ديانة كنت، وفي أي حالة كنت، لا تخف بأن تهتف بفرح "ولد المسيح هللويا".