ها ميلاد الرب يسوع يطل مع عام جديد على الإنسانية العطشى إلى ​السلام​ وقد مرّ على هذا الزمن التاريخيّ ما ينيف عن ألفي سنة ومازالت البشريّة ممتلئة بالخطايا الكبرى من الجشع والطمع والحروب و​الفساد​... تأكل نفس الإنسانيّة التي آلت بابن الله أن يأتي لينقذنا منها، وها الشرق الذي اختاره الثالوث الأقدس لكي يتجسد الكلمة ويصبح بشرًا، ما زال ينزف بالدموع والالم والحروب على أنواعها.

فالأرض التي سمعت "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام" ما زالتتبحث عن هذا السلام المتظر! فها تحقّق ولا يزال!.
لربما ​لبنان​ إضافةً إلى الأرض المقدسة وما يحيطها من ​سوريا​ و​العراق​ و​اليمن​ وكل الشرق كما الغرب وكلّ هذا الكوكب فإنّه يتعرض لامتحان الإنسانيّة من تجارب الحروب الافتراضية في المحصلات الإقتصاديّة التي تنحر القيّم والمفاهيم الأخلاقيّة، لصالح الأفكار الإستهلاكيّة الفارغة، فتكون هذه الحروب أشد إيلامًا من الحروب التقليديّة. ليصبح معها الإنسان محورًا مجوّفًا من كلّ ما يميّزعن باقي المخلوقاتمن شعور ديني موجه نحو المدينة الفاضلة، اورشليم السماويّة، فبدلًا من عيش الملكوت على هذه البسيطة، فحدّق في التحديات وغرق في المتاهات، ولم يتخطاها فعاش فيها إلى النفس الأخير، حيث الماديّة المتجذّرة فيه لا يتحرّر منها إلا بالموت الذي هو واقع حتميّ، فبدأيبحث عن حلّ ليتخطّاه من لحظة وجوده الأولى، بمحاولات ما زالت افتراضيّة عبر النسل والمؤسسات والإبداعات...
يقدم ميلاد الرب يسوع لنا حلولًا جذريّة، إلا أن الإنسانيّة قبله وبعده على الحالة نفسها، إذ لم نقل إنها تسير بطرائق كما هذا الكون بالدوران حول نفسه بحالة مكوكية. إلا أن المخرج الأساس لهذه الدّوامة هو ما جعل الله أن يصير إنسانًا ليعيش هذه الخبرة الإنسانيّة من "تحت" وليس تنظيرًا لها من "فوق"،بل ليقودنا إلى "الفوق"، ولكن ليس فرضًا، بل بقبول وبحريّة مطلقة.
فعلًا حدث الميلاد يستحق منّا التأمل وتجاوز محدوديّتنا ومحوريّتنا! إنّه لأمر غريب عجيّب مدهش، فسيد الكون احترم الإنسان وحريّته، من خلال سرّ التجسد في مسيرة تحترم الطبيعة الإنسانية وقوانينها من ​الولادة​ حتى الموت، إلا أن ​السيد المسيح​ قد تخطّى القوانين الطبيعيّة والنظام الكوني محبّةبالإنسان، وذلك باجتراح العجائب والمعجزات، ومعلنًا أنّ السبت للإنسان وليس العكس،ومنتصرًا على الموت بالموت، إلا أن أمرًا واحدًا لم يتخطّاه سيّد الكون وهو حريّة المعطيات للإنسان والتي تبقى مقدّسة له ولنا، وقد نفخها فيه مميزًا إيّاه من باقي المخلوقات.
إن الحريّة المدعوين لعيشها هي ما عبّر عنها الرسول بولس بقوله: "إنكم أيها الأخوة، قد دعيتم إلى الحريّة بالمسيح يسوع"، إذًا هي بقبول النظر إلى ​العالم​ على مثال يسوع في ميلاده أيّ من "تحت". إذًا الميلاد هو دعوة إلى فعل خلاصي حرّ على مثال الله من الإنسان تجاه الإنسانيّة التي ينتمي إليها، من خلال إخلاء الذات وقبول الآخر وتخطي الأنانية ومحوريّة "الأنا".
وسط ما يحيط بنا، يدعونا ​عيد الميلاد​ اليوم وأكثر من أيّ يوم آخر إلىالعيش بحريّة انتفاضة على القشور، لا بل على الذات وعلى كل ما يشوّه الإنسانيّة التي أخذ منها الإله جسدًا ليرفعنا إلى حيث هو بفعل الحريّة الإلهيّة في الفكر الإنسانيّ. عندئذٍ فقط يعيش الإنسان في العالم السلام المرجوّ باحترام ذاته والآخر والأرض والسماء فيتحقق القول بالفعل "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام"...