"السُّومو" مِن الرِّياضات القتاليَّة اليابانيَّة، الَّتي تُمارس بوتيرةٍ عاليةٍ عندنا هذه الأَيَّام... ولكنَّ شُروط اللُّعبة ومعاييرها لا تنطبق البتَّة على ما يُجرى في لُبنان، أَيْ يُمكن القول إِنَّنا لم نأْخذ من "السُّومو" سوى الأَحجام الثَّقيلة الَّتي تُصارع مُجتمعةً الشَّعب الهزيل، الفاقد كلَّ شيءٍ إِلاَّ كرامته وعزَّة النَّفس!...

وبِحسب قول أَهل التَّبريج عندنا، "أَرى حلبة السُّومو، وعليها مُصارعٌ هزيلٌ... يتناوب على مُصارعته أَصحاب الأَوزان الثَّقيلة، فيما هو أَقلُّ من وزن الذُّبابة"!... على أَمل أَلاَّ تُضحي هذه اللُّعبة غير المُتكافئة من حيث طرفيها، تراثًا وتقليدًا يجب المحافظة عليهما، لأَنَّ الشَّعب ما عاد يحتمل، وحذارِ غضبه البُركانيَّ!...
يقُوم مبدأُ رياضة "السُّومو" على مُحاولة كلا المُصارعَين (ريكيشي)، إِخراج المُصارع الآخر من دائِرة المُصارعة (دوهيو)، أَوْ جعل أَيِّ جزءٍ من جسمه (غير أَسفل قدمه) يلمس الأَرض. وبِالتَّالي فقد تناوب على إِخراج المُواطن الهزيل من دائرة أَبسط الحقوق الإِنسانيَّة، "تُجَّار الهيكل" جميعًا -وما أَكثرهم- هم المُتاجرون بِالدِّين والدُّنيا وبكلِّ شيءٍ بينهما!... إِنَّهُم لا يُوفِّرون وسيلةً، لجعله "على الأَرض يا حَكَم"، مِن الرَّأْس حتَّى القدمَين.
تُعتبر "السُّومو" من الفُنون القتاليَّة اليابانيَّة الحديثة، على رُغم أَنَّ جُذورها تعود إِلى قُرونٍ عدَّةٍ خلت. وأَمَّا عندنا فهي أَكثر حداثةً من اليابان، ولكن شتَّان ما بين الأُصول عندهم والفُصول عندنا!...
لقد ذُكرَت كلمة "سومو" للمرَّة الأُوْلى سنة 712 م. في كتابات "الكوجيكي" أَو "وقائِع الأَحداث القديمة"، وهي أُولى المُدوَّنات اليابانيَّة المعروفة. وتروي الـ"كوجيكي" قصَّة صراع "سومو"، دار بين إِلهَيْن قديمَيْن اثنَيْن: "تاكيميكازوتشي" و"تاكيميناكاتا"، ومن ثمَّ انتصار الأَوَّل. وبعد انتصاره استولى الشَّعب الَّذي يقوده "تاكيميكازوتشي" على جُزُر الأَرخبيل اليابانيِّ، كما وانحدر من صُلبه أَباطرة اليابان الحاليِّين...
وأَمَّا عندنا، فالصِّراع على أَشدِّه بين الخير والشَّرِّ، بين إِرادة الشَّعب وقراره ​الانتفاضة​ على الفاسدين والمُفسدين وزارعي ​الفساد​ في البلاد كلَّها... وبين "مافيات" الفساد. لا شكَّ أَنَّ "القدر" سيستجيب لإِرادة الحياة الشَّعبيَّةِ. وعندها سيسترجع الشَّعبُ الحُلم، وسيعبرون "جسر" ​خليل حاوي​ من "مُستنقع" لُبنان إِلى لُبنان الجديد.
لقد صارع عمالقةُ تجارة الخبز، الشَّعبَ الهزيل، على حلبة "السُّومو"، ولمَّا عجزوا عن إِخراجه من "الدَّائرة"، أَفسحوا في المجال أَمام عمالقة ​المحروقات​، الَّذين أَذلُّوا النَّاس أَمام خراطيم محطَّات وقودهم، لكنَّهُم لم ينتصروا على "شعب لبنان العظيم". وتدخَّل إذَّاك تُجَّار المواد الاستهلاكيَّة، فضاعفوا أَرباحهم وأَموالهم غير النَّظيفة، في الوقت العصيب، فيما لم يجد الشَّعب الهزيل مَن يقف إِلى جانبه، فواجه مُخطَّط التَّجويع، وهو على يقينٍ أَلاَّ جوع في لُبنان... في الأَرض المُقدَّسة الَّتي اختارها السَّيِّد ​المسيح​، لتكون في رُبوعها أَوَّل أُعجوبةٍ له، تُنبئ بعهدٍ جديدٍ!. وهذه الأَرض، لا بُدَّ مِن أَنْ تتجدَّد فيها إِرادة إِله الخير، ويتجدَّد بالتَّالي وجهُها!.
لكنَّ الجُرح الأَكثر إِيلامًا، أَصاب الشَّعب الهزيل من جرَّاء دُخول عمالقة تُجَّار ​المال​ إِلى الحلبة، من أَصحاب ​المصارف​ والصرَّافين، الَّذين أَثبتوا أَنَّهُم غير أَهلٍ للائتمان على مُدَّخرات النَّاس، ولا حسَّ وطنيًّا أَو خُلقيًّا لهُم... إِنَّهُم شُركاء الفاسدين ومصَّاصو دماء الشَّعب المسكين، يغضُّون الطَّرف لا بل يُسهِّلون انتقال الرَّساميل المنهوبة من الشَّعب إِلى الخارج، وأَمَّا الشَّعب فحقوقه الماليَّة تُستردُّ من المصرف بالـ"قطَّارة"!.
والمُصارعون الأَكثر خُبثًا ورياءً، هم المُتسلِّقون على ظهر الشَّعب الهزيل، السَّاعون إِلى "شيطنة" حراكه، لتصفية حساباتٍ سياسيَّةٍ أَو لتبرئَة ساحةٍ مِن فترةٍ قديمةٍ شابتها أَلف شائبةٍ في الفساد العلنيِّ "وعلى عينك يا تاجِر"... وإِلاَّ فكيف يُفسَّر مثلاً، إِقفال أوتوستراد "الدَّورة"، ليلة ​عيد الميلاد​ المجيد لدى الطَّائفة الأَرمنيَّة، لمنع المُؤْمنين من التَّوجُّه من "بُرج حمُّود" إِلى "بيت كيليكيا" في "إِنطلياس"، للصَّلاة في المناسبة؟ وما الرِّسالة من تصرُّفٍ أَرعنٍ كهذا؟.
وإِذا كانت من نصيحةٍ إِلى الشُّرفاء من قادة الحراك وعقلائه، فهي في تجنُّب بعض الشَّياطين الَّذين يأْتونكم بثياب الحمل، ليُفسِدوا مسيرتكم النِّضاليَّة الشَّريفة، أَو قد يأْتيكُم هَؤُلاء بكامل فُجورهم وغوغائيَّتهم، وفي مُطلق الحالات فإِنَّ أَهدافهم الخبيثة واحدة...
مُصارعو "السُّومو" عندنا، لا يلتزمون بشروط اللُّعبة، ولا شروط تعلو نهمهم المُزمن... وهم يرتدون أَفخم البدلات، خلافًا لمُصارعي اليابان، الَّذين يُبقون جسمهم عاريًا إِلاَّ مِن الـ"ماواشي"، وهي قطعةٌ من القماش تُلفُّ حول الخصر وما بين الأَرجل. والمُصارعون عندنا يمسكون الشَّعب الهزيل من حيث يحلو لهم، خلافًا لليابانيِّين الَّذين يمسكون مُصارعي "السُّومو" من "الماواشي"، وعدا ذلك عندهم، فأَيُّ مسكةٍ أُخرى تُعتبر ممنوعةً.
شَعْرُ "السُّوموتوري" عندنا هو كباقي شَعْر النَّاس، ولا دخل لهم بـتقليعة "شون ماجي" اليابانيَّة، وكذلك لا "كُعَيْكَة" لهُم... والمُصارع الَّذي يستعمل تقنيَّةً غير مشروعةٍ أَو "كينجيتي"، يُعتبر عندهم خاسرًا، وأَما عندنا فالشِّعار هو "المُصارعة الحُرَّة"... وصولاً إِلى "الفوضى الخلاَّقة"!. والمُصارع الَّذي يفقد الـ"ماواشي" يُعتبر عندهُم خاسرًا، وأَمَّا عندنا، فلا شيء ولا أحد يُعرّي عملاق "السُّومو" مِن عيوبه، ولا مَن يسأله مِن أَين له ما في جُيوبه؟!...
عندهُم إِذا ما أَظهر أَحد المُصارعين مقدرةً خارقةً، تمنحه "اتِّحاديَّة السُّومو" لقب "يوكوزونا" (أَي إِله السُّومو الحيّ)، ويحتفظ المُصارع باللَّقب مدى الحياة... وأَمَّا عندنا، فلقب "صاحب المعالي والسَّعادة" ينتقل من جيلٍ إِلى آخر بِالوراثة... وإِلى ما شاء الله!.
ويبقى أَنْ نُشير إِلى أَنَّ لبنان تغلَّب ب​كارلوس غصن​ على اليابان، بلد منشأِ "السُّومو"...