مع بداية الحديث عن أهمية غاز ​البحر المتوسط​، طغى على بساط البحث السؤال المركزي: هل يكون غاز السلام أم غاز الحروب؟، نظراً إلى أن هذه الثروة في منطقة هي موضع نزاع متعدد الأوجه حول حدود كل دولة معنية بها، من النزاع ال​لبنان​ي-ال​إسرائيل​ي إلى النزاع التركي-القبرصي وصولاً إلى النزاع القبرصي-​اليونان​ي، من دون تجاهل الدور المصري على هذا الصعيد، بعد الإكتشافات التي ظهرت في حقل ظهر.

بناء على ما تقدّم، ظهرت سريعاً التحالفات بين الدول المعنيّة، حيث ولد منتدى غاز البحر المتوسط بدعم من ​الولايات المتحدة​، الذي يضم كلاًّ من: مصر، إسرائيل، ​فلسطين​، ​الأردن​، قبرص، اليونان، ​إيطاليا​، وبعض هذه الدول كما هو معلوم مصدر للغاز بينما بعضها الآخر من المستهلك له، في حين غابت دول معنية عن هذا المنتدى، أبرزها: لبنان، ​تركيا​، ​سوريا​، بالرغم من التداعيات التي ستترتّب على ذلك في ​المستقبل​.
وفي حين لا يزال لبنان غارقا في خلافاته السياسية الداخلية رغم علامات الإستفهام التي أثارها هذا المنتدى في بعض أوساطه، سوريا اليومتقبع تحت الحاضنة الروسيّة الأمر الذي دفع إلى تأجيل بدء الإستكشافات في سواحلها، في المقابل كان لتركيا موقفهاالمختلف، حيث عمدت إلى التحرك نحو خطوات عمليّة، تسارعت كثيراً في المرحلة الماضية، وكانت موضع خلاف مع دول هذه المنتدى، بالإضافة إلى ​الإتحاد الأوروبي​.

تركيا وغاز المتوسط


إنطلاقاً من ذلك، يصبح الحديث عن الدور التركي أساسياً، نظراً إلى أنها اللاعب الأبرز في أيّمحور مقابل، من الممكن أن يواجه ذلك الذي يمثله منتدى غاز البحر المتوسط، بالرغم من أن أركانه لم تتّضح بعد، لكن في ظل التحالف التركي-الروسي على المستوى الإقتصادي والغازي، الذي يمثله خط "تورك ستريم"، يمكن فهم ما يجري إلى حدّ بعيد، ف​أنقرة​ تعتبر أنها باتت، بفضل هذا الخط، إحدى الدول المؤثّرة في القارّة الأوروبيّة، نظراً إلى أن جزءاً كبيراً من إمدادات الغاز الأوروبّي سيمرّ عبر أراضيها، وبالتالي لديها مصلحة في الإمساك باللعبة القائمة على مستوى البحر المتوسط، ولديها الحجج اللازمة لفرض حضورها الوازن.
في هذا الإطار، أعادت أنقرة إلى الواجهة النزاع حول جزيرة قبرص، بين القسم الشمالي التركي والقسم الجنوبي اليوناني، وتسعى إلى عرقلة عمليّات ​التنقيب​ القائمة في القسم اليوناني لضمان مصالحها، كما أنّها ذهبت إلى إعادة طرح النزاع الحدودي حول الجزر اليونانيّة التي كانت قد تخلّت عنها بموجب إتفاقيّة ​لوزان​، مع العلم أن الرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​ كان قد طالب، في أيلول من العام 2016، بإعادة فتح ​النقاش​ حول هذه الإتفاقية، الأمر الذي لا يمكن أن يمر مرور الكرام مع إقتراب العام المئة على توقيعها في العام 2013، نظراً إلى أن لوزان من المعاهدات الدولية التي تكون مدّتها عادة 100 عام.
في الإطار نفسه، عمدت تركيا، قبل توقيع الاتفاق الإسرائيلي–القبرصي–اليوناني لمدّ ​خط الغاز​ نحو إسرائيل بأيّام، إلى توقيع مذكرة تفاهم مع ​حكومة​ الوفاق الليبية برئاسة ​فايز سراج​، بغض النظر عن النقاش القانوني حولها مع الدول الإقليمية المعنية: مصر، اليونان، قبرص، هدفها، قطع الطريق أمام خط "إيست ميد" من دون الاتفاق معها، بما يعني ذلك من ضمان حصولها على حصّة وازنة ستكون موضع نزاع مع قبرص واليونان، وبالتالي مع دول الإتحاد الأوروبي.

ليبيا​ مسرح المواجهة والحوار


في شهر آب من العام 2019، دعا "مركز أبحاث ​الأمن​ القومي" الإسرائيلي لمراقبة الدور التركي في ليبيا، على قاعدة أن تكريس نفوذ أنقرة هناك هي وسيلة لمواجهة التعاونالإسرائيلي– المصري–اليوناني–القبرصي، في مجال استخراج الغاز، وبالتالي من الممكن أن يكون له تداعيات سلبية على مصالح ​تل أبيب​ في هذا المجال.
حتى الآن، الموقف الإسرائيلي حول ما يجري على الساحة الليبية من تطورات واضح، وكذلك المواقف المصرية واليونانية والقبرصية، لناحية رفض مذكرة التفاهم التي سيكون لها تداعيات خطيرة على مصالح الدول الأربع، خصوصاً قبرص واليونان، في حين من الضروري العودة إلى ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أيّام، لناحية التأكيد أن إسرائيل لن تتمكن من نقل الغاز عبر البحر المتوسط دون موافقة أنقرة.
بالتزامن، من الضروري التذكير بأن تركيا كانت قد أعلنت رفض اتفاقيات ​ترسيم الحدود​ البحرية الموقعة بين قبرص وإسرائيل عام 2010، وكذلك اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص عام 2013، بسبب ما اعتبرته مساً بالمصالح الاقتصادية التركية.
على نطاق أوسع، عبرت الولايات المتحدة عن قلقها من تصعيد ​الأزمة​ الليبية، حيث وصفت مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق بأنها "غير مفيدة وإستفزازية"، وعملت على التوازن في المواقف حسب تطور الأحداث على أرض الواقع، بين دعم رئيس حكومة الوفاق الوطني في ليبيا فايز السراجوالتواصل مع قائد ​الجيش الوطني​ المشير خليفةحفتر، أما ​روسيا​ فهي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الليبية الفاعلة، بالتزامن مع علاقات جيدة مع كل من تركيا ومصر، أي القوى المتصارعة على الساحة الليبية.
وعلى الرغم من تحفظ ​موسكو​ على مذكرة التفاهم بين أنقرة والسراج، برز، في الأيام الماضية، الموقف الروسي التركي المشترك، خلال زيارة الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​ إلى أنقرة حيث كانت الدعوة إلى وقف ​إطلاق النار​ في ليبيا، والإعلان عن دعم المؤتمر الدولي المقرّر انعقاده في ​برلين​، في الشهر الحالي، بغرض العودة إلى المفاوضات السياسية برعاية ​الأمم المتحدة​.
في المحصلة، يمكن فهم الصراع القائم على الساحة الليبية اليوم كجزء من الصراع حول غاز البحر المتوسط، في ظل المواقف المعلنة من قبل القوى الإقليمية الفاعلة، حيث دعم أنقرة لحكومة الوفاق، مقابل دعم ​القاهرة​ لحفتر.