ما ان عاد رئيس ​الحكومة​ المستقيل ​سعد الحريري​ الى ​بيروت​ بعد غيابه الطويل–القصير عن ​لبنان​ (طويل بسبب الاوضاع الاستثنائية التي يمر بها البلد وقصير نسبة الى مدّته الزمنية)، حتى تحركت الاوضاع في لبنان على خطيّن: سياسي وفي الشارع. وفي حين رأى البعض ان تحركات الشارع "غير بريئة" خصوصاً ما يتعلق منها بأعمال الشغب التي رافقت ​التظاهرات​ الاخيرة واستهدفت ​المصارف​، تمّ ربط هذا التحرك بعودة النشاط الى الخط الحكومي إثر الزيارة التي قام بها رئيس ​التيار الوطني الحر​ جبرن باسيل الى رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ والحديث الذي تبعه عن "حلحلة" كبيرة على هذا الخط، وما نقله النائب ​علي بزي​ عن بري نفسه لجهة تطمينه بقرب ولادة الحكومة.

ولكن هذه "الحلحلة" تزامنت مع رفع الحريري لوتيرة كلامه وفتحه النار على اكثر من جبهة بدءاً من ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ مروراً برئيس الحكومة المكلف حسّان دياب، الى اطلاقه الموقف الاعلى حين وضع غطاء على حاكم ​مصرف لبنان​ ​رياض سلامة​. وبغض النظر عن صوابيّة ما يفعله سلامة او عدم صوابيّته، وعن وجوب انتقاده ام لا، فإنّ ما صدر عن الحريري اعاد وضع الخطوط الحمراء، ورسم مجدداً صورة مشابهة لتلك التي كانت سائدة منذ ما قبل 17 تشرين الاول، أيّ بمعنى آخر خرج الحريري عن عباءة "دعم الثوار ومطالبهم وارضائهم"، ليعيد نسج شبكة جديدة يحفظ فيها علاقة وحيدة قائمة هي مع بري فقط.
رسالة الحريري المتزامنة مع التفاؤل الحكومي الذي ساد، اعادت رسم العلاقة التي تربط سلامة ب​آل الحريري​ منذ ايام رئيس الحكومة الراحل ​رفيق الحريري​، ولكن الاهم انها تزامنت ايضاً مع ملاحظة دعم دولي سجّلت على لسان ممثل الامين العام للامم المتحدة في لبنان يان كوبيتش الذي اعلن بعد لقائه رئيس مجلس النواب أنّ حاكم مصرف لبنان هو الوحيد الذي يعمل لمعالجة المشكلة، وكأنها بطاقة امان اعطيت لسلامة من قبل ​المجتمع الدولي​، تطمئنه بأنّ التعرض له لا يحظى بموافقة اقليميّة او دوليّة، وبالتالي يمكنه الاستمرار بما يقوم به دون أي قلق. تلقّف الحريري هذه الرسالة وعمل على رفع السقف، ومنهم من اعتبر انه يمكن ان يكون قد اشترط عودة حكومة تصريف الاعمال الى نشاطها بعدم المسّ بسلامة او توجيه اي حملة ضده، غير ان بقية الاطراف السياسية لم تستغ وضع الحريري للشروط، ليس لنيّتها المسّ بحاكم مصرف لبنان، بل خوفاً من ازدياد الشروط وتنوّعها وانتقالها من أمور محدّدة الى مواضيع اخرى تعيد "تعويم" الحريري سياسياً وتفسد أيّ فرصة لاستبدال الحكومة المستقيلة بأخرى فاعلة. وقد يكون المستفيد الاكبر من هذا الوضع، إضافة الى سلامة بالطبع، رئيس الحكومة المكلّف حسّان دياب الذي سيعمد دون شك الى تقوية موقفه وطلباته لأنّه يعلم تماماً أنّ البديل عنه سيكون، ولو مرحلياً، عودة الحريري الى الساحة وهو أمر لا يرغب به الكثير من الاطراف السّياسية التي تعمل على التخلّص من حقبة رئيس الحكومة المستقيل والبدء بحقبة جديدة، سيحاولون التأقلم معها بأفضل طريقة ممكنة وسط الظروف والمعطيات التي طرأت على الوضع في المنطقة عموماً ولبنان بشكل خاص. وعلى ما يبدو فإنّ السباق بين الحقبتين يتسارع في خضم التحرّكات الشعبيّة و​الأزمة​ التي تزداد ثقلاً وقوّة على كاهل اللبنانيين، ولا تزال السراي بانتظار من سيدخلها فعلياً ولو ان الحريري لا يزال يعتبر من سكّانها بحكم مسؤوليّته وامكانه تصريف الاعمال، كل ذلك تحت الشعار الموضوع على مدخل السراي "لو دامت لغيرك لما آلت اليك".