"إن شِئتَ أن تَعرفَ مَن هو المَيتُ الرّاقدُ هنا، فلا شيءَ مُخبَّأ، بل ها إنَّ أعمالَهُ مَنقوشةٌ هنا وهِي تَقولُ كُلَّ شيءٍ عنه". هذا جُزءٌ مِن نَقشٍ يونانيّ يَعودُ إلى بِدايةِ القرنِ الثّالثِ الميلاديّ، وُجِدَ في مدينة لِيون سنة ١٩٧٢.

يتكَلَّمُ عن رَجلٍ مَسيحيٍّ مِن اللاذقيّة. كان تَاجِرًا، ولكِنَّهُ كان في الوقت نفسِهِ عاملًا في حَقلِ مَلكوتِ اللهِ أينما حَلَّ رِحالُه. كان مِنَ الأشرافِ، ولَكنَّهُ أدرَكَ أنَّ أعظمَ شَرفٍ هو الإيمانُ المُترجَمُ بِالأفعال، فَقَصَدَ أن يَكونَ مَسيحيًّا بِالقَولِ والفِعل. زارَ بُلدانًا عِدّةً مُدرِكًا في أعماقِ نفسِهِ أنَّ بَلدَهُ الأصيلَ هو فَوقُ، لأنَّ ​الإنسان​َ خَلَقَهُ اللهُ وإليهِ يَعود. وسَيعُودُ ويَقِفُ أمامَهُ عُريانًا مِن كُلِّ شيءٍ إلّا مِن نواياهُ وأفعالِه. ففي مَحكَمةِ اللهِ لا مُحاباةَ لأنَّ اللهَ لا يُحابي الوُجوه.
نقرأُ في سِفرِ أيُّوب ما يلي: "الَّذِي لاَ يُحَابِي بِوُجُوهِ الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ يَعْتَبِرُ مُوسَعًا دُونَ فَقِيرٍ. لأَنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ عَمَلُ يَدَيْهِ"(أي ١٩:٣٤).
لا يُحاكِمُ اللهُ الغنيَّ بِسببِ غِناهُ كَما لا يَعذُرُ الفقيرَ لِفَقرِه. ويُتابِعُ سِفرُ أيّوب: "لأَنَّ عَيْنَيْهِ (الرّبّ) عَلَى طُرُقِ الإِنْسَانِ، وَهُوَ يَرَى كُلَّ خَطَوَاتِهِ. لاَ ظَلاَمَ وَلاَ ظِلَّ مَوْتٍ حَيْثُ تَخْتَفِي عُمَّالُ الإِثْمِ. لأَنَّهُ لاَ يُلاَحِظُ الإِنْسَانَ زَمَانًا لِلدُّخُولِ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ اللهِ"(أي ٢١:٣٤-٢٣).
المُحاكماتُ البَشريّةُ تَتَطلَّبُ مجرىً طويلًا لتَلفُظَ الحَكم، أمّا بِالنِّسبةِ للهِ فكُلُّ شيءٍ مَكشوفٌ له، مِن بِدايتِهِ إلى نِهايتِه، بعُمقِهِ وبِكُلِّ جَوانِبِه. فعِندما يَسطَعُ نورُ الرَّبِّ تُكشَفُ كُلُّ المَستورات لأنَّهُ يعرِفُ كُلَّ المَكنُونات.
التَّاجر أعلاه لم يَفصِلْ حياتَهُ عن إيمانِه، ولم يَقُلْ أنا لستُ رَجلَ دِينٍ ولَستُ مسؤولًا، بل على العَكسِ تمامًا أَدركَ أنَّ كُلَّ مُعَمَّدٍ مَسؤول. هي مَسؤوليَّةٌ ثَالوثِيَّة: تجاهَ نَفسِه، وتجاهَ الآخرِ، وتجاهَ الله. فإيمانُ الإنسانِ يَنطَلقُ مِن اللهِ، يَعيشُه الفَردُ ويَتبادَلُه مَعَ الآخر. هِي حَركيَّةٌ كاملةٌ لا تَتجَزّأ.
العَمليّاتُ التِّجاريَّةُ الّتي قامَ بها هذا التّاجرُ كانت جِسرَ عُبورٍ لِكَلِمَةِ ​الإنجيل​ِ بحيثُ جَمَّعَ ثروةً لا تَفسُد. ألَم يَقُلِ الرَّبُّ في عِظَتهِ على الجَبل:"لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ"(مت ١٩:٦-٢٠).
صَحيحٌ كانَ جَسدُهُ يمشي على الأَرضِ إلّا أن قلبَهُ كانَ يخفِقُ باللهِ، وقد أدرَكَ أنَّ عُمرَ الإنسانِ لا يُقاسُ بالسِّنينَ ولا غناهُ تُرابيٌّ صَرف، بَل ثروتُهُ الحَقيقيَّةُ مَا قالَه الرَّبُّ في سِفرِ الرّؤيا: "أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ"(رؤ١٨:٣).
لِنسألْ: مَا هذا الذَّهبُ المُصفَّى بِالنَّار؟ وهَل هُوَ بِمُتناوَلِ الجَميع؟.
الجوابُ:إنّهُ ذَهبٌ إلهِيٌّ، ومَعاييرُ الحُصولِ عَليهِ مُختلِفَةٌ عن مَقاييسِ اكتِسابِ الثَّرواتِ هُنا. فَلا علاقةَ للحَالةِ المَاليَّةِ بِهَ لإنّهُ ذَهَبُ التَّوبةِ والنَّقاوةِ والطَّهارَةِ والتَّخلِّي وإفراغِ الذَّاتِ ومَحبَّةِ الآخرينَ والإحساسِ بِهم، كَما هُوَ ذَهبُ الجِهادِ الحَسَنِ بِحَيثُ يَتذوَّقُ المُؤمِنُ المَلكوتَ مُنذُ الآنَ.
فَلنسألْ أنفُسَنا: مَا هُوَ هَمُّنا الأَوَّلُ في حَياتِنَا؟ أي أَينَ هُوَ قلبُنا؟ فيُجيبُنا الرَّبُّ: "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا"(مت ٢١:٦).