منذ ما قبل ولادة الحكومة الجديدة، كانت علامات استفهام تُطرَح بجدّية حول إمكانية ولادة "جبهة" معارضة متماسكة ومتضامنة في مواجهتها، تعيد في مكانٍ ما إحياء ما كانت تُعرَف بقوى الرابع عشر من آذار، وبقيادة "الحزب التقدمي الاشتراكي"، إلى جانب كلّ من "تيار المستقبل" وحزبي "القوات" و"الكتائب".

بيد أنّ "الصفعة" التي تلقّتها "نواة" المعارضة هذه، تمثّلت في الموقف السريع الذي صدر عن النائب السابق ​وليد جنبلاط​ ليلة ​تشكيل الحكومة​، والذي خرج فيه من عباءة "المعارضة الشرسة" إلى "المهادنة" إن جاز التعبير، انطلاقاً من معادلةٍ سحريّةٍ قوامها أنّ "أيّ حكومةٍ أفضل من الفراغ".
ومع أنّ جنبلاط معروفٌ بانعطافاته الدوريّة في السياسة، إلا أنّ موقفه أثار الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّه جاء تزامناً مع تصريحاتٍ لخصمه رئيس الحزب "الديمقراطي اللبناني" النائب ​طلال أرسلان​، سعى من خلالها إلى الإيحاء بأنّه "الرابح الأكبر" في الحكومة، بل إنّه حقّق من خلالها للدروز ما لم يحقّقه أيّ أحد قبله...

رِجلٌ في الحكومة؟!

صحيحٌ أنّ جنبلاط أعلن منذ اليوم الأول لتكليف حسّان دياب انتقاله إلى صفوف المعارضة، وعدم مشاركته في الحكومة للمرّة الأولى منذ العام 2005، بل ارتأى "المزايدة" على سائر المعارضين من خلال مقاطعة ​الاستشارات النيابية​ غير الملزمة التي أجراها دياب في ساحة النجمة، إلا أنّ كلّ الوقائع بيّنت بعد ذلك أنّ الرجل لم يقطع "حبل" المفاوضات مع المعنيّين بالتأليف، وهو ما ظهر في أكثر من محطّة على امتداد الأسابيع الأخيرة.
وفي هذا السياق، لم يتردّد رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" في طرح أسماء للتوزير في التشكيلة الحكوميّة، توازياً مع الحملة الشرسة التي كان يشنّها عليها عبر وسائل التواصل، وهو ما فضحه بنفسه حين أعلن رفضه لاسم مرشح أرسلان، الوزير رمزي مشرفية، طارحاً اسماً بديلاً هو وليد العساف. وأبعد من الأسماء، كان "البيك" يتدخّل في تفاصيل الحقائب ونوعيتها، معلناً تارةً رفضه منح حقيبة البيئة للدروز، وطوراً إصراره على أن يكون حضور الدروز نوعياً وأساسياً.
هكذا، كان جنبلاط يتصرّف برأي كثيرين وفق منطِق "رِجل في الحكومة ورِجل خارجها"، فهو كان يشارك في المفاوضات الجارية، ولو بصورةٍ غير مباشرةٍ، من خلال رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ أو النائب جميل السيد، وكان في الوقت نفسه "يتزعّم" صفوف المعارضة، مصوّباً على الحكومة من قبل أن تولد، ومنتقداً مسار تأليفها، الذي تبيّن أنّه كان مُشارِكاً فيه، ولو بشكلٍ غير مباشر، ما وضع حداً لـ"أسطورة" خروج حزبه من الحكم في "سابقةٍ" من نوعها تُسجَّل للمرّة الأولى منذ سنوات.
ولا يبدو مُبالَغاً به في هذا السياق القول إنّ جنبلاط حقّق مُرادَه في النهاية، من خلال وزيرة الإعلام منال عبد الصمد، وإن نفى كلّ المعنيّين أنّ الأخيرة محسوبة عليه، باعتبار أنّ "المعايير" التي تجعل سائر الوزراء محسوبين على القوى والأحزاب السياسية، تنطبق عليها ربما بدرجةٍ أعلى من غيرها، وهو ما أثار أصلاً "غيظ" عددٍ من خصوم جنبلاط، وفي مقدّمهم رئيس تيار "التوحيد العربي" الوزير السابق وئام وهاب، الذي اتهم بري صراحةً، بإدخال جنبلاط إلى الحكومة "من الشبّاك".

ثقة... لا ثقة!

انطلاقاً ممّا سبق، يبدو جنبلاط كمن حقّق "ضربة معلّم" على حلفائه وخصومه في آنٍ واحدٍ، فهو ممثَّلٌ في الحكومة بشكلٍ أو بآخر، ما يمنع خصومه على الساحة الدرزية خصوصاً من التهليل لما صوّروها "إنجازاتٍ" نجحوا في تحقيقها على حسابه، ولكنّه في الوقت نفسه معارضٌ في العَلَن للحكومة، ما من شأنه تجنيبه مفاعيل أيّ "غضب شعبيّ" على الحكومة وصُنّاعها والمشاركين فيها، باعتبار أنّه كان من الأصل رافضاً لتركيبتها.
ولكن، ماذا بعد "مهادنة" جنبلاط الواضحة للحكومة؟ هل يستمرّ في هذه السياسة، وصولاً إلى منح الحكومة الثقة، أم يعود إلى موقعه المفترض في المعارضة، ليمارس دوراً قد يعود علبه بـ"شعبويّة" أكبر؟
حتى الآن، لا إجابة واضحة، وإن كان الاتجاه ميّالاً إلى ذهاب "البيك" نحو ما يمكن وصفه بـ"المعارضة على القطعة"، وهو ما يُقرَأ من خلف سطور بيانات وتصريحات قياديّي "الاشتراكي"، الذين يحرصون على نفي ما يُحكى عن تمثيل الحزب من خلال الوزيرة عبد الصمد، توازياً مع تأكيدهم ضرورة إعطاء الحكومة فرصتها، باعتبار أنّ الفراغ ليس الحلّ، بل قد يكون الخيار الأمثل للدخول في الفوضى التي يسعى إليها كثيرون.
وفي وقتٍ لا يبدو واضحاً ما إذا كانت هذه "الفرصة" ستعني في جانبٍ من الجوانب، إمكان إعطاء الحكومة ثقة، ولو مؤقتة، فإنّ الأكيد أنّ معارضة "الاشتراكي" من خارج الحكومة، كما من داخلها، ستكون مصوَّبة على فريقٍ محدَّد، هو فريق "العهد" إن جاز التعبير، أي رئيس الجمهورية و"​التيار الوطني الحر​"، وهو الفريق الذي لم يحيّده جنبلاط أصلاً حتى في عزّ "الهدنة" التي يرسم معاييرها إزاء الحكومة، حتى يتبيّن خيرها من شرّها.
وإذا كانت هذه الهدنة تعود بالدرجة الأولى، إلى رسائل "حسن نوايا" أوصلها جنبلاط إلى رئيس الحكومة قبيل موافقته على توزير عبد الصمد، فإنّها ترتبط كما يؤكد العارفون، بعلاقة "الصداقة" التي تجمع جنبلاط مع رئيس مجلس النواب، والتي يُقال إنّها لعبت دوراً رئيسياً في تحسين شروط جنبلاط التفاوضيّة على خط الحكومة، علماً أنّ لا مشكلة لدى بري في "تصويب" جنبلاط المتكرّر على "العهد"، بل قد يكون محبّذاً له في أكثر من مكان ومحطّة...

"المنتصر الأكبر"

برأي كثيرين، كانت حكومة حسّان دياب الفرصة "المثاليّة" لخصوم وليد جنبلاط لتسجيل الأهداف في مرماه، وفرض "زعامتهم" على الساحة الدرزيّة بشكلٍ أو بآخر، ولو بالتزامن مع حراكٍ شعبيّ يسعى إلى إنهاء مثل هذا الفرز الطائفيّ والمذهبيّ.
هكذا، حاول الوزير طلال أرسلان مثلاً أن يصوّر نفسه "المنتصر الأكبر" في المعركة الحكوميّة، تارةً عبر رفض التنازل عن مرشحه الحكوميّ، ولو لصالح مرشح "وسطيّ" يقبل به جنبلاط، وطوراً عبر رفع سقوفه، ورفض تقديم التنازلات على خطّ نوع التمثيل الدرزيّ في الحكومة.
ويُقال في هذا السياق، إنّ أرسلان لم يكن ممتعضاً من النكات التي تمّ تداولها حول حصوله على أربع حقائب في الحكومة العشرينيّة، ولو كان يدرك أنّها منافية للواقع، ربما لاعتقاده بأنّها تخدم هدفه، عبر القول إنّ ما أعطي لأرسلان لم يُعطَ لسواه، وتحديداً لجنبلاط.
كلّ ذلك كان قبل ولادة الحكومة، وظهور "طيف" جنبلاط فيها بشكلٍ أكثر من واضح، "طيف" لا يبدو أنّ أيّ "دعابات" ستنجح في إخفائه أو الحدّ من وقعه، وإن بقي جانب "المناورة" مفتوحاً في هذا المجال، برغبة "البيك" وإرادته!.