تتوالى ردود الفعل الدولية من الحكومة ال​لبنان​ية ​الجديدة​، وهي تراوحت بين مرحّبة ومشروطة ومقيِّدة، لكنها على الاقل كانت اكثر وضوحاً وجدّية من التصريحات العربيّة التي غابت عن الساحة في ما خص المولودة الجديدة للبنان، والخارجة من رحم المعاناة وعلى وقع التظاهرات. هناك اكثر من سبب للتشكيك بهذا الصمت العربي المريب من الحكومة، ولا شكّ ان هناك عوامل عدة اقليمية ودوليّة تدفع فيهذا الاتجاه، فيما يراهن البعض على انّ الجولة التي تحدّث عنها رئيس الحكومة ​حسان دياب​ والتي ستقوده الى دول عربية وخليجية تحديداً، ستكون كفيلة بكسر حاجز الصمت وانقشاع ​الضباب​ حول حقيقة الموقف العربي. ومهما كانت وجهة النظر حول هذه النقطة، اكانت مؤيدة لهذا الامر ام لا، فمن الصعب الوصول ايّ موقف عربي واضح حيال الحكومة ما لم يتم توضيح بعض النقاط الاساسية.

من المؤكد ان التدخل العربي في لبنان لميعد كما كان عليه، الا ان الصراع السعودي-الايراني سيبقى موجوداً ولو بنسب مختلفة، طاما ان الشرائح اللبنانية المتنوعة باقية، وبالاخص الطرف السنّي والطرف الشيعي. ولكن في الفترة الاخيرة، ظهر ان هذا التدخل قد تراجع كثيراً بسبب المتغيرات التي طرأت على الصعيدين الاقليمي والدولي ان بالنسبة الى الحرب في ​سوريا​ وتداعياتها، او بسبب تغيّر ​السياسة​ الاميركية بشكل دوري، او عبر التواجد الروسي الفاعل في الساحة، دون ان ننسى الكباش الاميركي-الايراني الذي ارخى بثقله على المنطقة ككل. هذا الامر لا يعني ان التدخلات العربية (والايرانية) لم تعد موجودة في لبنان، انما يمكن الحديث عن تراجعها بعض الشيء.
امر آخر لا بد ان نأخذه في الحسبان، وهو انتظار العرب الاشارة الواضحة الخارجية لاتخاذ القرار بشأن الحكومة، فهم لا يزالون يترددون في تحديد خياراتهم، لان الاشارة الدولية لم تصل الى الاخضر بعد، فهي لا تزال برتقالية، وهناك بعض العوائق التي تمنع تغيير الالوان في هذه المرحلة، ولكن اذا ما توفرالغطاء الدولي الجدّي، فإنّ الدول العربيّة ستكون اكثر من مرحّبة بالحكومة ولن تقف على الحياد، بل ستعمد الى القيام بدورها الكامل، وهو في معظمه مادي طبعاً، للدلالة على ان الامور عادت الى طبيعتها ولم يعد هناك من مكان للغموض.
هذا الانقشاع في الموقف يترافق بالطبع مع ضرورة انتفاء ايّ اتهام او لصق صفة ​حزب الله​ ب​الحكومة اللبنانية​ الجديدة. فهذا الوصف لوحده، كفيل بتردد الدول في تقديم الدعم للحكومة وعبرها للبنان، مخافة ان توضع على اللائحة السوداء الاميركية فتتعرض لمصير مشؤوم من خلال العقوبات الاقتصادية القاسية اضافة الى الضغوط السياسية، دون ان يسلم الامر ايضاً من مشاكل داخلية قد تظهر وتترك آثاراً سلبية كبيرة جداً.
والامر الاكثر بديهية بالنسبة الى ردود الفعل الخارجيّة، هو ان الحكومة لم تنتهِ بعد من صياغة بيانها الوزاري الذي ستعرضه على ​مجلس النواب​ طالبة منحها الثقة لتبدأ مسيرتها الفعلية على طريق تحسين الاوضاع اللبنانيّة على الصعد كافة، وفي مقدمها الصعيدين المالي والاقتصادي.
كل هذه العوامل وغيرها ايضاً، ادت الى استمرار الصمت العربي حيال الحكومة، وبالتالي، اذا ما توضحت هذه النقاط، فلن يجد دياب اي صعوبة في حصد التأييد العربي ولن يعود خالي الوفاض من جولته، وسيعزز مكانته في الداخل اللبناني، ويسترد صورته التي تعرضت للتشكيك منذ اكثر من شهر، ويفرض نفسه لاعباً محلياً جديداً على الساحة.
هذا باختصار السبب الكامن وراء الصمت العربي المريب من موضوع ​تشكيل الحكومة​، والذي ينتظر توضيح كل الملابسات وعدم ترك اي شيء للتقديرات او التوقعات، على امل ان تتضح الصورة بشكل اسرع من المتوقع.