مع تكليف حسّان دياب ​تشكيل الحكومة​، بدا أنّ "الهمّ الأول" لمعظم من كلّفوه، وتحديداً لثنائيّ "​حزب الله​" و"​حركة أمل​"، عدم "استفزاز" رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ بعد فشل محاولات إعادة تسميته، ولكن بالقدر نفسه، عدم تكرار تجربة حكومة ​نجيب ميقاتي​ الشهيرة، والتي وُصِفت بحكومة "حزب الله"، داخلياً وخارجياً.

وعلى رغم "المرونة" التي مرّ بها تكليف دياب، خلافاً لتكليف ميقاتي بعد "مواجهة مباشرة" مع الحريري انتهت بـ"هزيمة" الأخير، إلا أنّ المقارنة بين التجربتين بدأت تنضج، وهي تتجلّى بوضوح من خلال نهج "المسايرة" الذي تعتمده معظم المكوّنات الحكوميّة إزاء الحريري، على رغم تموضع الأخير في صفوف المعارضة.
ويبدو أنّ هذا المسار تكرّس بشكلٍ أو بآخر، في ​جلسة مجلس النواب​ الأخيرة، كما في مسودّة ​البيان الوزاري​، حيث تقدّم "طيف" الحريري على ما عداه، سواء من خلال "تبنّي" دياب لموازنته جملةً وتفصيلاً، أو من خلال حرصه على "حماية" نفوذه المتمدّد في ​الدولة​ ومؤسساتها، وعدم المسّ بمن يُعتبَرون "رجاله" فيها...

مصلحة متبادَلة؟!


يعتقد رئيس الحكومة حسّان دياب أنّ نجاحه في المهمّة "الثقيلة" الملقاة على عاتقه يتطلّب منه، بالحدّ الأدنى، "مسايرة" الحريري قدر المُستطاع، وبالتالي عدم "التمرّد" عليه، بما يمكن أن يُشعِره بأيّ "تهديد"، حتى لو كان ذلك طموح من سمّوه ل​رئاسة الحكومة​، وحتى لو اصطدم بـ "الويل والثبور وعظائم الأمور" من جمهور الحريري، الذي لا يوفّر فرصةً للتصويب على رئيس الحكومة، من دون استغلالها.
وإذا كان الحريري استبق ولادة ​الحكومة الجديدة​ بتصريحاتٍ "هجوميّة" شمل فيها دياب ومن كلّفوه، وذهب فيها إلى حدّ القول إنّه ليس "حبّة أو حبّتين" في تصريحٍ أثار الكثير من الجدل الافتراضيّ، فإنّ دياب "تلقّف" الرسالة بوضوح، وهو ما ظهر بوضوح منذ اللحظة الأولى لإعلان حكومته، حيث حرص على توجيه رسائل "طمأنة" لجهة عدم المسّ ببعض "الخطوط الحمراء" للحريري، على غرار المدير العام ل​قوى الأمن الداخلي​ ​اللواء عماد عثمان​، أو حاكم ​مصرف لبنان​ ​رياض سلامة​.
وفي وقتٍ ينسب كثيرون لكتلة "المستقبل" النجاح في "إلزام" دياب بتبنّي موازنة ​حكومة الحريري​، بكلّ ما تتضمّنه من مشاريع وقوانين، بعد "إحراجه" في قلب البرلمان، يبدو أنّ البيان الوزاريّ جاء ليكرّس ​سياسة​ "التبنّي" هذه، علماً أنّ مسودّته قوبلت من بعض خصوم الحريري، بالتأكيد على أنّ طيف الأخير حاضرٌ بقوة فيها. ولعلّ ذلك يظهر بوضوح من خلال تركيز مسودّة البيان على تصميم الحكومة على المضيّ بما ورد من إصلاحات في الورقة التي أقرّت في مؤتمر "سيدر"، ولا سيما الإصلاحات الماليّة والهيكليّة والقطاعيّة، وكلّها "صنيعة" الحريري.
وإذا كانت "المصلحة المتبادلة" تجمع بين الحريري ودياب في علاقة "​المساكنة​" هذه، على رغم اصطفاف كلٍ منهما في خانةٍ مناقضةٍ للآخر، باعتبار أنّ الحريري يرفض المسّ بـ "خطوطه الحمراء"، فيما يخشى دياب "انقلاباً" عليه في حال اتخاذه أيّ خطوة جدليّة، فإنّ كثيرين يحذرون من أن يكون ذلك توطئة لتكرار تجربة حكومة ميقاتي، تجربة تحوّل معها ميقاتي إلى "وكيل" للحريري، يفعل ما لا يفعله الأخير دفاعاً عن مصالحه، وذلك من باب "المزايدات" الطائفية، وإن كانت ظروف اليوم لا تشبه ظروف الأمس، خصوصاً بعد "ثورة" اللبنانيين على كلّ الأدبيّات الطائفيّة والمذهبيّة المتوارثة.

الرهان مستمرّ؟!


لكن، في مقابل هذا الرأي، ثمّة وجهة نظر ​مقابلة​ تقول إنّ الظروف المختلفة اليوم لا تنبع فقط من "​الثورة​" التي أنهت "صلاحية" الحكومة السابقة، وفرضت حكومة مختلفة بتركيبتها ومعاييرها، ولكن أيضاً من مواقف الأفرقاء، باعتبار أنّ خطوات دياب، ولو صبّت في خانة "المزايدة" في مكانٍ ما، تتمتّع بـ "عدم ممانعة" معظم من كلّفوه، ولا سيما "حزب الله" و"حركة أمل"، بل ربما بدفعهم الذاتيّ باتجاهها، وهو ما لم يكن عليه الحال إبان حكومة ميقاتي، التي جاءت بعنوانٍ "صداميّ" مع الحريري أولاً وأخيراً.
ويرتبط هذا الأمر بوضوح بالمسار التسلسليّ منذ ​تأليف الحكومة​، والذي دلّ بوضوح على حرص كلّ من "حزب الله" و"أمل" على الحفاظ على العلاقة "الاستراتيجية" مع الحريري في هذه المرحلة، وهو ما بدأ منذ ما قبل تكليف دياب، سواء من خلال الإصرار على تسمية الحريري، قبل خروج الأخير من السباق لافتقاده "الميثاقيّة المسيحيّة"، أو حتى من خلال الحرص على موافقة الحريري الضمنيّة على أيّ اسمٍ لخلافته، أو بالحدّ الأدنى أن لا يكون "مستفزاً" بالنسبة إليه، علماً أنّ اسم دياب نفسه حظي بـ "عدم ممانعة" من جانب الحريري، كما تقول الكثير من الأوساط.
وليس خافياً على أحد أنّ هذا التنسيق بين الحريري من جهة و"حزب الله" و"أمل" من جهة ثانية، بقي قائماً، ولو من خلف الكواليس، بعد تسمية دياب وشروع الأخير في إجراءات تشكيل حكومته، وهو أمرٌ تكرّس بوضوح في ​جلسات مناقشة​ ​الموازنة​ التي لم يكن نصابها ليؤمَّن لولا مشاركة كتلة "المستقبل"، بعد طلبٍ مباشرٍ بهذا الخصوص وجّهه رئيس البرلمان ​نبيه بري​ إلى الحريري، وفق ما ذكرت العديد من التسريبات، علماً أنّ عدم تصويت "المستقبليّين" لصالح الموازنة بدا مجرّد "تفصيل شكليّ"، خصوصاً أنّهم كانوا قادرين على تعطيل الجلسة برمّتها، لو أنّهم لم يكونوا فعلاً راغبين بتمرير الموازنة.
وإذا كانت وزيرة الداخلية السابقة ريّا الحسن أكدت "حسن النوايا" بين الجانبين في حديثها التلفزيوني الأخير، حين وضعت "حزب الله" في أسفل لائحة من أضرّوا بالحريري، وليس في صدارتها كما كان يعتقد كثيرون، فإنّ ثمّة من يربط الأمر برمّته إلى "رهان" رئيس تيار "المستقبل" على العودة إلى الحكم عاجلاً أم آجلاً، بعد فشل الحكومة الحالية في تحقيق ما تصبو إليه، وهو أمرٌ يدرك أنّه لن يكون ممكناً من دون الحفاظ على "دعم" الثنائيّ الشيعيّ، وهو ما يدفعه اليوم إلى "مهادنة" الحكومة، ولو من باب المعارضة التي يتفهّم كلّ من "حزب الله" و"أمل" ظروفها وحيثيّاتها جيّداً.

تكريس "الانهيار"!


هي علاقة جدليّة تلك التي تربط بين سعد الحريري و"حزب الله" و"أمل"، ومن خلفهما بينه وبين حسّان دياب، الرجل الذي أخذ مكانه في رئاسة الحكومة، بعدما اصطدم "التكتيك" الذي اعتمده بـ "ميثاقية" لم يحسب لها حساباً، بسبب غدرٍ من هنا، وتمرّد من هناك.
في المبدأ، كما في الظاهر، العلاقة هي علاقة معارضة مطلقة، ثبّتها الحريري من خلال تصريحاتٍ بالجملة منذ ما قبل تشكيل الحكومة، أوحى عبرها أنّه سيكون "قائد" المعارضة. لكن، على الأرض، خطواتٌ أوحت بالعكس، تارةً على شكل "هدنة" مع الحكومة، وطوراً عن طريق "مزايدات" مع سائر المعارضين.
لكن، أياً يكن واقع الحال، قد يكون "هاجس" تكرار تجربة ميقاتي الأكبر لدى الجميع، لأنّه، وبمُعزَلٍ عن الخلفيّات السياسية التي قد تبرّره، يمكن أنيحكم سلفاً على الحكومة بالانجرار إلى "فخّ" مزايداتٍ لن تؤدي سوى إلى تكريس "الانهيار"، الذي لن ينفع أيّ ندمٍ من بعده...