بعد سقوط ​حكومة سعد الحريري​ السابقة بدأت المطالبات بانتخابات نيابية مبكرة. البعض في الحراك يطالب بها اقتناعا منه بضرورة التغيير، والبعض الآخر يطالب بها لأسباب سياسية عنوانها الإنقلاب على نتائج ​الانتخابات​ النيابية الأخيرة.

في شهر تشرين الأول الماضي كشف رئيس ​حزب الكتائب​ سامي الجميّل عن اقتراح قانون تقدّم به حزبه لتقصير ولاية ​مجلس النواب​ لإجراء إنتخابات نيابية مبكرة في شهر أيار 2020. وخلال الأشهر الماضية، ارتفعت المطالبات بضرورة إجراء انتخابات نيابية مبكرة، الأمر الذي لم يُعلن أي طرف سياسي رفضه، ربما لأنّ هذا الرفض قد يُفسّر وكأنه الضعف المستكين، ولكن أغلب القوى السياسية تعلم بأن إجراء الانتخابات المبكرة لن يكون سهلا، خصوصا بظل عدم الاتفاق على ال​قانون الانتخاب​ي.
عندما يصل ​النقاش​ الى قانون الانتخاب تضيع ​السلطة​ و"الثورة" على حدّ سواء، فلا القوى المشاركة بالسلطة حاليا تملك رأيا موحدا حول هذا الأمر، ولا قوى ​الحراك الشعبي​ والسياسي، تملك رؤية موحدة، الأمر الذي يصعّب الاتفاق على إجراء الانتخابات المبكرة، وربما يصعّب حصولها في موعدها أصلا.
في شهر آب الماضي تقدمت كتلة "التنمية والتحرير" باقتراح قانون يتعلق بتعديل ​قانون الانتخاب، وهو يعتبر ​لبنان​ دائرة انتخابيّة واحدة مع عدد نواب 128 يضاف إليه 6 نواب في بلدان ​الاغتراب​ فيصبح 134 نائبا، وفيه اقتراح تخفيض سن الانتخاب إلى 18 سنة، وكوتا ملزمة ​للنساء​ بعدد 20 سيدة، وأهم ما فيه إلغاء الصوت التفضيلي.
إن هذا الاقتراح بحسب ما تشير مصادر نيابية عبر "​النشرة​" شهد نقاشات حادة في ​اللجان النيابية​ المختصة، كاشفة أن التيار "الوطني الحر" و"القوات" اللبنانية عبّرا عن رفضهما له بشكل حاسم، خصوصا بما يتعلق باعتبار لبنان دائرة واحدة، ما يجعلنا هنا أمام طرف من قوى السلطة ضد "الدائرة الواحدة"، وطرف من قوى الحراك المعارض ضد "الدائرة الواحدة" أيضا، مع العلم بحسب المصادر أن الطرفين يؤيدان الإبقاء على القانون الحالي، على أن موقف "القوات" هو مع إجراء انتخابات نيابية مبكرة، لأسباب سنأتي على ذكرها، وموقف "التيار" ضدّها ضمنيا.
بالنسبة الى موقف حزب "الكتائب" الذي يُعتبر من أشد المطالبين بانتخابات نيابية مبكرة، لتغيير واقع حصوله على كتلة من 3 نواب، قد يكون أقرب الى "القوات"، أكثر من قربه الى "الكتائب"، فيقول بضرورة اللجوء الى قانون انتخابي جديد على أساس ​الدوائر الصغرى​، لاعتبار أن هذا التقسيم يؤدّي لتمثيل حقيقي، مع الإشارة الى أنّه النقيض الكامل لما تُطالب به القوى اليسارية في الحراك، ما يجعل الاتفاق على "الانتخابات المبكرة" ساقطا عند الوصول الى القانون المُعتمد.
حزب الله​ يؤيد الدائرة الواحدة التي اقترحتها ​حركة أمل​، أما ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ فهو مع أيّ قانون، لأنّ الأساسي لديه هو التحالفات التي تُتيح له الاستمرار بتمثيل غالبية النواب ​الدروز​، وتيار "المستقبل" يكاد يكون التيار الوحيد الذي لم يُحدّد بعد رأيه بالنسبة لقانون الانتخاب، مع الإشارة الى معلومات عن تفضيله البقاء على أساس القانون الحالي والاستفادة من زخم الشارع والتطورات السياسية.
هذا بالنسبة الى تفصيل القوى، أما بالصورة العامة، فإن قوى الأكثرية النيابية لا تريد الذهاب الى انتخابات مبكرة بظل الوضع الحالي، وقوى الأقلية النيابية، ومعها قوى الحراك تدفع بهذا الاتجاه، ولكل منهما أسبابه، فالنسبة الى قوى ​14 آذار​ سابقا و"القوات" تحديدا، فإن الانتخابات المقبلة ولو على أساس القانون الحالي لن تؤدي لنفس النتائج، وبحال لم تؤدّ لزيادة عدد نوابها، فإنها بالتأكيد ستقلّص من أعداد نواب ​8 آذار​ و​التيار الوطني الحر​، لصالح الحراك، وهذا كفيل لوحده بسحب الأكثرية النيابية منها.
لن يكون التوجه الى انتخابات مبكرة بهذه السهولة، لأنّ المجلس المقبل، سواء جرت بشكل مبكر ام لا، سيتولى مهمّة انتخاب رئيس الجمهوريّة المقبل، وبالتالي حتى ولو ظهرت مطالب الحراك مطابقة لمطالب الأحزاب المعارضة بالنسبة للإنتخابات النيابية المبكرة، الا أنها من حيث أسبابها، بعيدة كل البُعد عنها.