كلمة شاطِر تعني الحَذِق، وأيضًا مَن شَطَرَ الشّيءَ أي قَسَمَه إلى قِسمَين.

الأَحد الثّاني مِن فترةِ التّهيئةِ في زَمن التّريودي، هو أحدُ الابنِ الشّاطر. ويُشيرُ إلى مَثَلِ الابنِ الأَصغر، الّذي تركَ منزِلَ والِدِهِ وذَهبَ بعيدًا، بعدَ أن شَطَرَ مِيراثَ أبيهِ بِحيثُ طَلَبَ مِنهُ حِصَّتَهُ وبدَّدَها في اللهوِ والخَطيئة، وانتَهى بِهِ الأمرُ مُعدَمًا، يَعملُ دُونَ أَجرٍ يَرعى الخَنازيرَ ويَشتهي مَأكَلها(لوقا ١١:١٥-٣٢).


إلى هنا هو الابنُ الشَّاطِرُ لِلمِيراثِ، وهُوَ العُريانُ والجَائعُ، ولكن ليسَ اليَائس.
وهَا هُوَ سيُحقِّقُ المَعنى الأوَّلَ لِكلمةِ شاطر. فإذ بهِ وهُو في وَسَطِ الذُّل يَنظُرُ إلى العُلى، ويصرُخُ مِن أعماقِ قَلبِه. لا، لَن أَموتَ هُنا، سَأعُودُ إلى مَنزِلِ أبي وأَطلُبُ منه المَغفِرَةَ وأرجُوهُ أن يُعامِلَني كأَجيرٍ، فَهو حَتمًا لن يَرفُضَني.
وكأَنّهُ بِذلِكَ يُرَدِّدُ المَزمورَ ٨٤ بِما فِيهِ مِن جَمال: "مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ! تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ". ويُكمِلُ المَزمور: "إخْتَرْتُ الْوُقُوفَ عَلَى الْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلهِي عَلَى السَّكَنِ فِي خِيَامِ الأَشْرَارِ".
تُرى ما الَّذي دَفَعَهُ إلى أن يَقُومَ وينهَضَ ويُقرِّرَ الرُّجوعَ إلى مَنزِلِه الأَوّلِ الّذي طَعَنَهُ بِأَنانِيَّتِهِ مُستبدِلًا اللآلئَ بالعَفَن؟.
ومِن أَينَ استمَدَّ قُوَّتَهُ وهُوَ الهَزيلُ والبَعيدُ في الغُربةِ لِيصعَدَ مِن أَسفلِ دَركاتِ الجَحيمِ، وينفُضَ عنهُ أوساخَ الرَّذائلِ آخِذًا طَريقَ العَودةِ قبلَ أن يَمُوتَ في خَطاياه؟.
جَوابٌ واحِدٌ لا ثانيَ له: يَقولُ النَّصُّ الإنجيليُّ: "فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ" وهُنا بيتُ القَصيد.
ماذا وَجَدَ عندما عَادَ إلى ذاتِهِ؟ الجَوابُ: وَجَدَ "الحِضنَ الأَبَويّ" الدَّافِئَ المَليءَ بِالمَحبَّة، والّذي تَرعرَعَ عَليهِ، ولمَسَهُ لَمسَ القَلب، واسَتطابَ تَذوُّقَهُ خَيرَ تَذَوُّق.
هُوَ الصَّدرُ المَشروحُ الّذي مَن يَغرِفُ مِنهُ يُولَدُ مِن جَديد.
ألَم يتَّكئْ القِدِّيسُ يُوحنَّا الإنجيليّ على صَدرِ يَسوعَ المُعلِّمِ في العَشاءِ السِّريّ، ويَتَذَوَّقْ طَعمَ الرَّبّ؟.
ومَن تذوَّقَ طعمَ الرَّبِّ يَعرِفُ أنَّ ما مِن طَعمٍ آخرَ يُمكنُ أن يَطغى عليه، ويبقَى الألَذَّ والأَطيبَ، وهُوَ المِعيارُ الأوحَدُ لِكُلِّ مَذاقٍ آخر. ألَمْ يُنشِدْ داودُ قائلًا: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ"(مز ٨:٣٤).
عادَ الابنُ ولكن كَيفَ استقبَلَه أبوه؟ هُنا رَوعَةُ المَشهدِ بِأسرِه. ومَا أجمَلَه. إنَّهُ أجملُ مَشهدٍ أبوِيٍّ يُمكنُ أن يَراهُ إنسان.
فهذا المَثَلُ الّذي رَواهُ يَسوعُ هُوَ صُورةٌ لاستقبالِ الرَّبِّ لِكُلِّ تَائبٍ مِنّا.
كان الأبُ في انتظارِهِ، وما أن رأى ابنَهُ عَائِدًا حتّى رَكضَ نَحوَهُ وعَانَقَه. سَتَرَ عُريَهُ وألبَسَهُ الحُلَّةَ الأُولى، أي لِباسَ المَجدِ الّذي كان عَليهِ قبلَ أن يَسقُط. إستقبَلَهُ استقبالَ المُلوكِ وليسَ الأُجراءِ، لأنَّهُ ابنُ المَلِكِ ووارِثٌ مَعه. "فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيح". (رو١٧:٨).
ميراثُنا ​الحياة​ُ الأبديَّة. جَعلَ خُدّامًا لَهُ كمَا تَخدِمُنا المَلائكة. ألبَسَهُ خَاتَمًا وهُوَ خَتمُ الرُّوحِ القُدُس. ذَبَحَ لَهُ العِجلَ المُسَمَّنَ الّذي هُوَ صُورةٌ عَنِ الوَليمَةِ الإلهِيَّةِ الّتي نَحنُ مَدعُوونَ إليها. فعِوَضَ الخُرنُوبِ الّذي كان يَشتهيهِ، أعطاهُ الخُبزَ السَّماويّ، خُبزَ الحياة. كُلُّ ذَلِكَ لأنَّهُ تَابَ بِصِدقٍ، وكانَ مائِتًا فَعاشَ مِن جَديد.
رُجوعُنا إلى حِضنِ إلهِنا مُرتَبِطٌ بِتَوبتِنا. فيَجِبُ ألاّ يتغلَّبَ علينا اليَأسُ مَهما تُهنَا وشَرَدْنا، فَلنَكُن شَاطِرينَ ونَعُد.

​​​​​​​