لم تكن هي المرة الأولى التي تبدي فيها ​الجمهورية​ الإسلامية ال​إيران​ية الإستعداد الكامل لمؤازرة ​لبنان​ إقتصادياً. سبق وأن اطلّت العروض الإيرانية عند كل ولادة حكومة لبنانية جديدة. وسبق ايضاً ان زار ​اللبنانيون​ ​طهران​ للإطّلاع على قدراتها الإنتاجية في مجال ​الصناعة​ تحديداً. لم تقبل أي حكومة سابقة أي مساعدة إيرانية لتخطي أزمات لبنان الإقتصادية، تارة لأسباب إقليمية، كي لا تُغضب الحكومات اللبنانية ​دول الخليج​، وتارة أخرى لأسباب دولية، كي لا تُزعج تلك الحكومات المتتالية الدول الغربية وتحديداً ​الولايات المتحدة​ الأميركية.

حلّت هذه المرة في لبنان ​حكومة تكنوقراط​، مدعومة من لون سياسي واحد، وخالية من القوى السياسية المحسوبة تاريخياً على الحلف مع ​واشنطن​ أو ​الرياض​. لكن عرض ​ايران​ الذي قدّمه رئيس ​مجلس الشورى​ ​علي لاريجاني​ للبنانيين لا يختلف عن العروض الإيرانية السابقة. تكرر طهران إيجابياتها، بغض النظر عن الموقف اللبناني. فهل يأتي الجواب في ​بيروت​ مختلفاً هذه المرة؟.
إذا كانت كل القوى التي دعمت تأليف هذه الحكومة تطالب بأن يحظى ​مجلس الوزراء​ الحالي بفرصة إثبات نفسه لمدة لا تقل عن خمسة أشهر، رغم ان رئيس الحكومة ​حسان دياب​ كان تحدث عن فرصة مئة يوم، فإن تلك القوى لن تطيح بالحكومة لمجرد عدم قبولها بالعرض الإيراني، رغم ان المزاج الشعبي المحسوب على تلك القوى يطالبها بالقبول بعرض طهران لتخفيف الاعباء عن كاهل المواطنين والخزينة العامة.
فماذا قدم الإيرانيون؟ تحدث لاريجاني عن استعداد بلاده لتنفيذ معامل انتاج كهرباء، وتأسيس معامل أدوية، أو رفد لبنان بالادوية الإيرانيّة، وتزويد لبنان بالمشتقات ​النفط​ية.
تمتاز الجمهورية الإيرانية بأنها تنتج ​التيار الكهربائي​، بعدما استحصلت على ميزات انتاج المعامل من ​كوريا​ الجنوبيّة سابقا. وللمفارقة أن من أحضر الشركات الكوريّة الى إيران سابقا هو الباحث اللبناني انيس نقاش، الذي يبدي الآن كل الإستعداد لنقل تجربة ايران الى بلده لبنان. لكن نقّاش ليس متفائلاً جرّاء التعاطي اللبناني المرتقب. هو يقول ان لدى ​الحكومة اللبنانية​ فرصة عشرة أيام لطرح العرض الإيراني على طاولة مجلس الوزراء، وفي حال رفضت التعامل مع إيران، "فإن ذلك يعني ان تجربة الحكومة ستكون فاشلة ولن تنجح في تحقيق أي إصلاح يبدأ في الكهرياء، ولن توقف تلك الحكومة الهدر القائم في لبنان". وتُقدّر قيمة الصرف على هذا القطاع بأكثر من ثلثي نسبة الدين وخدمته.
اوساط مطلعة تقول إن الحكومة هي بين مطرقة الأميركيين وسندان الإيرانيين في هذا المجال. فإذا تم رفض العرض الإيراني المتكامل يعني زيادة الخسائر الماليّة من دون وجود بدائل. وفي حال قبول العرض الذي قدمته طهران، فإن الولايات المتحدة ستفرض ​عقوبات​ على قطاعات مصرفيّة واقتصاديّة لبنانيّة. ومن هنا يُرجَّح ان ينطلق الوزراء في مقارباتهم السلبية لموضوع العرض الإيراني. بينما يقول خبراء أن بإستطاعة لبنان تهديد العرب والأميركيين انه في حال عدم مساعدة لبنان، سيلجأ اللبنانيون الى قبول ​مساعدات​ ايران. لكن امر وصول ​الغاز​ او المشتقات النفطية الإيرانية سيواجه مطبّات صعبة لمنعه من الوصول عبر ​قناة السويس​ الى لبنان، كما سبق وحصل مع ناقلة النفط الإيرانية التي كانت آتية في الأشهر الماضية الى ​سوريا​. علما ان الإيرانيين ينتجون مشتقات نفطية بجودة عالية.
امام تلك المعضلات، قد لا تسبب السلبية الحكومية تجاه العرض الإيراني بأي أزمة بين القوى الداعمة للحكومة. لكن عدم القبول بالعرض في ظل غياب العروض الأخرى البديلة الموازية وغير المكلفة قد تطيح بالحكومة ولو بعد أشهر لأسباب إقتصاديّة وليست سياسيّة، خصوصا في مقاربة ملفّ ​الكهرباء​ الذي سيكون عنوان المرحلة.