تحت جنح ظلام الاوضاع المأساوية في المنطقة، وعلى وقع الحروب العسكرية والاقتصادية التي تجتاحها، اصبح ال​اسرائيل​يون والعرب "حبايب". هذا هو الوقت الذي يتمّ فيه ​الاعلان​ عن نهاية ما كان يسمّى بـ"الصراع العربي-الاسرائيلي" والذي عاش لقرون من الزمن قبل ان يصل الى ذروته في القرن الماضي وينتهي بشكل رسمي مع بداية هذا القرن. وبعد ​مسيرة​ طويلة من الكلام وضخّ المشاعر الجيّاشة في قلوب العرب واذهانهم ضد اسرائيل وما تمارسه من قتل وتهجير للفلسطينيين وعدد من ​الدول العربية​، استفاق العرب على واقعة ان اسرائيل هي بلد محب وعطوف ويسهل التفاهم معه، وقد يلومون انفسهم كيف كانت اعينهم مغمضة عن هذه الحقيقة!.

هكذا، وبكل بساطة، طويت صفحة الصراع، واصبح رئيس الوزراء الاسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​ يتغنّى بانفتاح العرب على اسرائيل وتبادل الزيارات بينهم، وحتى الرحلات الجويّة التي باتت اقرب من أي وقت مضى. وفي خضمّ هذه المعمعة، يبدو ​لبنان​ وكأنّه تُرك وحيداً في ساحة الصراع، فالتجارب السابقة للفلسطينيين لا توحي بأنهم قادرون على فرض أيّ تغيير، ان كان بالحوار او بالمواجهة، كما ان رأيهم لم يعد مسموعاً وهم باتوا ينتظرون الحلّ الذي سيأتي على حسابهم في الدرجة الاولى. ومع غياب ​سوريا​ عن الواجهة، وانشغال ​الاردن​ بتدبير اموره دون فكرة المواجهة (وهو ما ينطبق على مصر ايضاً)، لم يعد في الميدان الا لبنان الذي اصبح يحمل لوحده لواء الدفاع عن القضيّة التي كانت معرفة بالقضيّة العربيّة واصبحت اليوم القضيّة اللبنانيّة. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: الى أيّ مدى يمكن للبنان ان يصمد في الساحة، في ظل الحروب التي تشنّ عليه سياسياً ودبلوماسياً ومالياً؟ ففي غياب الحرب العسكريّة التي يبدو انها ازيلت من الحسابات بعد ان اثبتت عدم جدواها اكثر من مرة، تبرز الحروب الاخرى وهي اكثر ضرراً على اللبنانيين وبالتالي، اكثر نفعاً للخارج، فضلاً عن ان استفراد لبنان يبقى اسهل بكثير من التعاطي مع اكثر من دولة وتغيير العقيدة التي كانت سائدة في عقول الشعوب العربيّة كافة. ويتمّ الحديث عن سيناريوهات عديدة يمكن اعتمادها، من شأنها انْ تخفّف حدّة الشراسة اللبنانيّة في وجه اسرائيل، منها ما يمكن تحقيقه بسرعة على المدى ​القصير​، ومنها ما يوجب انتظار فترة اطول. لذلك، فإنّ الحلّ يجب ان يتضمّن تسوية لا ترضي اللبنانيين بشكل كامل، ولكنها تعطيهم جزءاً مهماً من حقوقهم، ومن بين المقترحات: حلّ المشكلة الاقتصاديّة والماليّة التي تخنق لبنان حالياً، وهو امر سهل يقضي برفع الضغط الخارجي عنه واعطاء ​الضوء​ الاخضر للدول العربيّة والاجنبيّة للاستثمار فيه واغراقه بالاموال الكفيلة باعادته الى ما كان عليه سابقاً، مع وعود بتخصيص جزء من عائدات ​النفط والغاز​ الى من يجب ان يحصل عليها من المسؤولين.
هناك ايضاً اقتراح آخر يقضي بردّ الاراضي التي لا تزال تحتلها اسرائيل في لبنان، مقابل مكاسب في الحدود البحرية، وهذا ما يفضي الى سحب البساط من تحت سلاح ​حزب الله​ ليتحول الى حزب سياسي فقط، ويرتاح الاسرائيليون من همّ جبهتهم الشمالية.
ومن الافكار المطروحة ايضاً، اصدار بيان جامع عن الدول العربية يعتبر ان الحرب مع اسرائيل انتهت، وسيجد لبنان نفسه بالتالي مرغماً على الانضمام الى القرار العربي، والا فإنه سيخرج عن "الوحدة العربية" وسيغرّد على هواه، ويتحوّل هو بالتالي الى "عدوّ العرب" وهو ما لا قدرة لديه لتحمّله.
لا تنحصر المواضيع فقط بهذه الافكار، انّما هناك الكثير غيرها قيد البحث، ولكن الثابت هو انّ لبنان بات في بيئة غريبة عنه في ما خصّ الصراع مع اسرائيل، وعليه ان يتأقلم مع هذا الوضع الجديد، انما تحت ضغط المشاكل التي تمّ جذبها اليه على اكثر من صعيد.