نجحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إنجاز استحقاق الانتخابات النيابية، ووجهت بذلك صفعة جديدة للإدارة الأميركية، التي راهنت على فشل إيران في إنجاز هذا الاستحقاق، للقول بأنّ النظام الجمهوري، الذي أرست دعائمه قيادة الثورة الإيرانية التحررية، على إثر انتصارها وإسقاط نظام الشاه التابع للولايات المتحدة الأميركية وحارس مصالحها الاستعمارية في المنطقة، للقول إنه نظام استبدادي غير ديمقراطي ولا يستند إلى أيّ تأييد شعبي..


على أنّ نجاح هذا الاستحقاق الديمقراطي أدّى عملياً إلى تحقيق جملة من النتائج الهامة، التي تتوّج فشل كلّ مخططات ورهانات أميركا والغرب وكيان العدو الصهيوني على تقويض نظام الثورة الإيرانية التحررية المتجدّدة.. وهذه النتائج هي:


النتيجة الأولى، والتي تعتبر أهمّ نتيجة للانتخابات، تكمن في توجيه صفعة قوية ثالثة للسياسة الأميركية، بعد الصفعة الأولى في إسقاط إيران طائرة الاستطلاع الأميركية لدى خرقها المجال الجوي الإيراني، والصفعة الثانية، التي تجسّدت بقصف قاعدة عين الأسد العسكرية الأميركية في العراق، بصواريخ باليستية إيرانية وتدمير منشآتها وقتل وجرح عشرات الجنود الأميركيين، وذلك رداً على جريمة الجيش الأميركي باغتيال قائد قوة القدس في حرس الثورة الإسلامية الإيرانية الفريق قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس في مطار طهران.. الصفعة الثالثة الجديدة التي تلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تجلّت في المشاركة الشعبية بنسبة جيدة، في هذه الانتخابات، مما شكل فشلاً ذريعاً لحملة التضليل التي شنّتها وسائل الإعلام الأميركية والغربية والعربية التي تديرها أجهزة الاستخبارات الأميركية، في محاولة تشويه صورة إيران – الثورة، بالقول إنّ نظامها الجمهوري إنما هو نظام غير ديمقراطي، ويفتقد للشرعية الشعبية.. فالمشاركة الشعبية كشفت زيف ما تروّج له هذه الوسائل من أضاليل…


النتيجة الثانية، إسقاط أهداف الحرب الاقتصادية التي تشنّها الولايات المتحدة ضدّ إيران منذ انتصار ثورتها قبل 41 عاماً وحتى اليوم، والتي اشتدّت في السنوات الأخيرة.. في سعي حثيث لخلق أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة داخل إيران تدفع الشعب الايراني إلى الانفضاض من حول ثورته ونظامها، والتوقف عن دعمها وتأييدها، وصولاً إلى إحداث اضطرابات اجتماعية تقود إلى تقويض الاستقرار والتماسك الداخلي وتنظيم انقلاب رجعي مدعوم من واشنطن يطيح بنظام الجمهورية الإسلامية… لكن ما حصل انّ الشعب الإيراني أسقط هذا الرهان الأميركي على تأليبه ضدّ قيادته لإضعاف موقفها الصلب وإجبارها على الخضوع للإملاءات الأميركية، أو مواجهة اضطرابات ضدّها تقوّض ركائز نظام الجمهورية الإسلامية…


النتيجة الثالثة، انتصار النموذج الديمقراطي للجمهورية الإسلامية الايرانية الذي يقوم على المشاركة الشعبية في انتخاب المؤسّسات التشريعية والدستورية ومجلس القيادة، والتي تنبثق منها السلطات التنفيذية… هذا النموذج الديمقراطي الناجح يضاهي ويتفوّق على النموذج الديمقراطي الأميركي من حيث الشفافية والنزاهة وحجم المشاركة الشعبية.. حيث من المعروف أنّ حملة الانتخابات الأميركية، التشريعية والرئاسية، تكلف المرشحين أموالاً طائلة، تتولى تقديمها الكارتيلات الاقتصادية الرأسمالية الصناعية والنفطية، واللوبي الصهيوني الأميركي المعروف بـ «ايباك»، لضمان الإتيان بنواب ورؤساء جمهورية ينفذون أجندات هذه اللوبيات، وهو ما يجعل الانتخابات الأميركية غير نزيهة ولا شفافة..


النتيجة الرابعة، تأكيد أنّ الثورة الإيرانية التحرّرية، على الرغم من مرور 41 عاماً على انتصارها، إلا انها لم تصب بأي عامل من عوامل الشيخوخة، وما زالت تحظى بالتأييد والزخم الشعبي الذي جرى التعبير عنه في حجم الإقبال على صناديق الاقتراع، وقبل ذلك في مشاركة عشرات ملايين الإيرانيين بتشييع أحد أبرز قادة الثورة، الشهيد قاسم سليماني.. وهذا يؤشر بوضوح إلى أنّ الثورة في تجدّد مستمرّ، لأنها تعبّر عن إرادة وتطلعات الشعب في الدفاع عن استقلال إيران وتحقيق التقدّم والازدهار بشكل مستمرّ، والإصرار على مواصلة تنفيذ مبادئ وأهداف الثورة التحررية في رفض الهيمنة الاستعمارية بكلّ أشكالها، ونصرة المستضعفين في العالم، وفي المقدّمة نصرة شعب فلسطين وقضيته العادلة التي كانت ولم تزل تحتلّ سلّم الأولويات لدى قائد ومرشد الثورة الإمام السيد علي الخامنئي…


النتيجة الخامسة، تحصين موقف قيادة الجمهورية الإسلامية في رفض المساومة أو التنازل عن حقوق إيران وسيادتها واستقلالية قرارها، في مواجهة الضغوط الغربية والحرب الاقتصادية الأميركية، الهادفة إلى إخضاع إيران للإملاءات والشروط الأميركية لتعديل الاتفاق النووي بما يحقق أهداف واشنطن وتل أبيب، لناحية وقف برنامج إيران لصناعة وتطوير الصواريخ الباليستية للدفاع عن البلاد في وجه العدوانية الأميركية الصهيونية، وكذلك امتناع طهران عن مواصلة دعم حركات المقاومة العربية ضدّ الاحتلال الصهيوني، والوقوف إلى جانب سورية واليمن والعراق ضدّ الهيمنة الاستعمارية الأميركية…


النتيجة السادسة، تعزيز موقف إيران – الثورة في مواصلة نهجها التحرري في دعم قوى المقاومة والتحرر في المنطقة والعالم ضدّ الاحتلال والاستعمار، وكذلك تعزيز خطها الاستقلالي في مواصلة بناء مشروعها الحضاري القائم على التطور والتقدّم وامتلاك المعرفة والتقنية… فالشعب الإيراني أكد من خلال مشاركته في الانتخابات، دعمه لهذا الخيار الثوري التحرري الاستقلالي الذي انتهجته الثورة منذ انتصارها…


النتيجة السابعة، تعزيز قوة وتماسك جبهة المقاومة في المنطقة، التي تشكل إيران – الثورة، القوة والسند والدعامة الأساسية لها… ذلك أنّ تماسك إيران على المستوى الداخلي وتجديد زخم ثورتها على الصعيد الشعبي يشكل قوة لها ولكلّ أطراف محور المقاومة.. انطلاقاً من أيّ تقدّم أو انتصار يحققه ايّ طرف من أطراف هذا المحور إنما يشكل انتصاراً وقوة لكلّ أطرافه… وهذا طبعاً ما يزيد من مأزق وقلق كلّ من أميركا وكيان العدو الصهيوني والأنظمة الرجعية التابعة لهما.. لأنّ تنامي قوة محور المقاومة، وفشل الحروب الأميركية في إضعافه والنيل منه، يفاقم من منسوب قلق القادة الصهاينة، على وجود ومستقبل كيانها الغاصب لأرض فلسطين المحتلة، ويضعف منظومة الهيمنة الاستعمارية الأميركية وأدواتها في المنطقة…