غادر الوفد الذي مثّل ​صندوق النقد​ الدَولي ​بيروت​، بعد سلسلة طويلة من المُفاوضات مع كبار المسؤولين ال​لبنان​يّين، من دون أن يتّضح بعد القرار النهائي بشأن مصير إستحقاق تسديد فوائد "اليوروبوند" في التاسع من آذار المُقبل. فما هي المَعلومات بهذا الشأن، وهل من إجراءات جديدة للمصارف؟.

بداية، لا بُد من الإشارة إلى أنّ سبب تأخّر لبنان الرسمي في حسم قراره بالنسبة إلى تسديد الديون من عدمه، مردّه إلى إنقسام في الرأي إزاء هذا الموضوع الحسّاس. فحاكم ​مصرف لبنان​ ومن خلفه جمعيّة ​المصارف​، يُريدون تسديد المُستحقّات ​المال​ية المُتوجّبة على لبنان في موعدها، على أن تبدأ إجراءات المُعالجة بعد ذلك، وبعض القوى السياسيّة الفاعلة كانت تميل إلى هذا الخيار، ومنها "التيّار الوطني الحُرّ"، في حين تُعارض قوى أخرى، وفي طليعتها حركة "أمل"، أيّ صرف إضافي من ودائع المصارف!.وفي كل الأحوال، إنّ ​الحكومة​ اللبنانيّة الحائرة حتى ​الساعة​، مُلزمة في نهاية المطاف بحسم خيارها، وهذا الحسم مُرجّح أن يظهر في الأيّام القليلة المُقبلة، وتحديدًا خلال مُنتصف الأسبوع المقبل كحدّ أقصى، علمًا أنّ رئيس الحُكومة حسّان دياب الذي كان في السابق من مُؤيّدي السداد بدون تأخير، عاد عن موقفه، مُفسحًا في المجال أمام دراسة كل الخيارات المُتاحة.
وبحسب المعلومات المُتوفّرة، فإنّ لبنان الرسمي لن يلجأ إلى خيار عدم الدفع من دون التنسيق مع الدائنين، لأنّ تداعيات هذا الخيار كارثيّة، باعتبار أن سُقوط قيمة سندات "يوروبوند" يؤثّر على موجودات مصرف لبنان الإحتياطيّة بشكل مُباشر، وسيؤدّي إلى عُقوبات على لبنان، وسيُحطّم ما تبقى من ثقة هزيلة في المصارف. وإحتمال اللجوء إلى خيار المُقايضة الماليّة (معروفة بإسم Swap في لغّة المال)، على غرار الطلب من الدائنين بالتنازل عن سلسلة من مُستحقاتهم في الإستحقاقات القريبة زمنيًا، في مُقابل حُصولهم على فوائد وعمولات أعلى في المُستقبل، سقط بدوره، لأنّه عبارة عن تأجيل للمُشكلة من دون أيّ أفق، ومن دون أيّ أرضيّة يستند إليها لبنان لدفع المزيد من الفوائد.
ومع سُقوط الخيارين المَذكورين، فإنّ الخيار الثالث المُتبقّي والذي من المُرجّح أن تلجأ إليه الحُكومة اللبنانيّة، يتمثّل في إعادة هيكلة ​الدين العام​، بالتنسيق مع الدائنين. والرُدودمَشروطة من جانب الجهات الدائنة، لجهة إمكان قُبول هذا الأمر، مع إستعداد لتأجيل كل إستحقاقات لبنان الماليّة لعامي 2020 و2021، لكن ليس كرمى لعُيون لبنان واللبنانيّين، بل في مُقابل كسب المزيد من الفوائد الماليّة الضخمة، والتي يُمكن أن تصل إلى حدود مئتي مليون دولار! وبالتالي، إنّ كل الإتصالات القائمة حاليًا، مُرتبطة بشروط إعادة الهيكلة، أي ب​تفاصيل​ المبالغ الماليّة التي سيتمّ دفعها في المُستقبل، وبتواريخها وبفوائدها، في حال وافق كلّ من لبنان والجهات الدائنة على إعادة هيكلة الدين.
وفي المَعلومات أيضًا، أنّ مُمثّلي صُندوق النقد الدَولي الذين أبدوا إستعدادهم للتعاون وللمُساعدة، إشترطوا أن تتزامن إعادة هيكلة الدين العام، مع إعادة هيكلة ​الدولة​ ككل، على صعيد إصلاح هيكليّتها الوظيفيّة والهرميّة أوّلاً، وعلى صعيد توازن مصاريفها مع مداخيلها ثانيًا، وعلى مُستوى ضبط الهدر ومُكافحة ​الفساد​ ثالثًا، إضافة إلى إتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لإعادة التوازن إلى ميزانيّتها، إلخ. وبالتالي، ستكون الحُكومة اللبنانيّة مُلزمة بإتخاذ سلسلة من الإجراءات التنفيذيّة وغير النظريّة، لإثبات جدّيتها في تلبية مطالب صندوق النقد الدَولي، قبل الإستفادة من أيّ مُساعدة عينيّة من جانب هذا الأخير. والأكيد أنّه إذا كان المواطنون في لبنان سيرحّبون، بأيّ خطوات إصلاحيّة وبأيّ إجراءات لمُكافحة الهدر والفساد، فإنّهم لن يُرحّبوا على الإطلاق بأيّ إجراء ينصّ على زيادة أيّ ضريبة أو رسم، أو على رفع الدعم الرسمي عن أيّ سلعة أو مُنتج.
ولأنّ الوضع الذي يمرّ به لبنان حاليًا هو إستثنائيّ على الصعيدين الإقتصادي والمالي، فإنّ المصارف اللبنانيّة تدرس بدورها كيفيّة الحفاظ على إرث كانت قد بنته بجهد كبيرعلى مدى نحو مئة عام، وهو مُهدّد حاليًا بالسُقوط نتيجة غياب عامل الثقة بين المُودع والمصرف. وبالتالي، يُنتظر أن تلجأ المصارف في المُستقبل إلى سلسلة تدابير تطمح إلى ترميم هذه الثقة في مرحلة أولى، على أمل إستعادتها من جديد في مرحلة لاحقة. لكنّ هذه التدابير لن تنطلق قبل أن تحسم الدولة اللبنانيّة خياراتها مع الدائنين، وأن تعرض خطّتها الإنقاذيّة على الطاولة.
وفي الإنتظار، يعيش اللبنانيّون بقلقٍ مُستمرّ على المصير، في ظلّ مشاكل لا تنتهي، وأحلام مُحطّمة. فهل سنشهد في الأسبوع المُقبل، بصيص أملٍ في نهاية النفقِ المُظلم، أم أنّ الآمال ستخيب بشكل نهائي هذه المرّة؟! الأيّام القليلة المُقبلة ستحمل أولى الإجابات، بدءًا بأسلوب تعامل ​الحكومة الجديدة​ مع إستحقاق التاسع من آذار المُقبل...