لم يأخذ رئيس ​الحكومة​ ​حسان دياب​ وقتاً طويلاً لينتقل من ضفة الى اخرى على صعيد التعاطي مع الاطراف السياسية في ​لبنان​. وعلى عكس ما يوحي به من هدوء وقدرة استيعابية، فإنه اطلق مواقف يمكن وصفها بالحادة خلال جلسة ​مجلس الوزراء​ الاخيرة، طالت شظاياها كل الافرقاء الذين ينتقدونه ويحاربونه سياسياً. صحيح ان دياب لم يتحدث مع الاعلام بشكل مطول ومفصل كما فعل من سبقه، ولكن بدا انه لا يخلو من الحدية في الاحاديث السياسية حتى دون ان يتحدث مباشرة، وهذا ما ظهر بوضوح بفعل ما نقلت عنه وزيرة الاعلام ​منال عبد الصمد​ من كلام في بداية الجلسة الوزارية امس، خصوصاً لجهة اتهام جهات لبنانية بالعمل ضد مصلحة البلد لدى دول صديقة وشقيقة.

من المهم التوقف عند ما قاله دياب عند محورين: الاول هو التوقيت، والثاني هو المضمون. فمن ناحية الوقت، انتظر دياب حتى نيل ثقة ​مجلس النواب​، ثم اجراء سلسلة لقاءات مع مسؤولين دوليين وسفراء اعلنوا تأييد بلادهم لاي حكومة تتخذ اجراءات اقتصادية ومالية مقبلوة في نظرهم، ما يعني ان لا "فيتو" قد وضع عليه اقليمياً او دولياً، ناهيك عن الحوارات التي اجراها مع وفد ​صندوق النقد الدولي​ والتي اخذت طريقها الصحيح بعد موافقة لبنان على الاستعانة باستشاريين خارجيين لمعاونته على تجاوز الازمة، وهو ايضاً كان احد نقاط التفاهم مع وفد الصندوق. ومن عوامل التوقيت الايجابي ايضاً، تصريح وزير ​المال​ الفرنسي ونظيره السعودي بالنسبة الى الاستعداد لمساعدة لبنان، وهو ما تضمنته ايضاً كلمة دياب في مجلس الوزراء من "لطشة" ان الصديق وفق الضيق، وان ترك لبنان وحيداً سينعكس سلباً على من تركوه. كما يراهن رئيس الحكومة ايضاً على بدء لبنان خلال ساعات، اول عملية تنقيب عن ​النفط والغاز​ في مياهه الاقليمية، وهو مؤشر يمكن لدياب استعماله في رصيده.
هذا من ناحية التوقيت، اما من ناجية المضمون، فقد تفلّت دياب من الضوابط التي كانت موضوعة عليه على اكثر من صعيد، فالرسائل الايجابية التي تلقاها من الخارج، اضافة الى التزام الاطراف الاساسية في الداخل تسهيل مهمته قدر الامكان، والاجرءات التي اتخذتها الحكومة للتعامل مع فيروس "كورونا" ان من خلال تركييب اجهزة حديثة في ​المطار​ او حملات التوعية او قرار وقف الرحلات (بما فيها الدينية) الى الدول التي تفشى فيها الفيروس، كلها مؤشرات الى ان الداخل لم يعد يتعامل معه على انه "غريب" عن الساحة السياسية والاقتصادية.
اما الذين استهدفهم دياب بكلامه، فهم الذين لا يزالون يتعاملون معه من واقع "تصفية الحسابات" لجهة ان اي نجاح او انجاز للحكومة الحالية، سيعتبر حكماً فشلاً ذريعاً للحكومات السابقة وكل من شارك فيها بفاعلية، وخصوصاً الاحزاب والتيارات التي لم تدعم هذه الحكومة لا بالقول ولا بالفعل. هكذا، وبهذه السرعة، انتقل رئيس الحكومة الحالي الى اعتماد ​سياسة​ "الهجوم"، على امل ان تأتي فعلها مرفقة ببعض الاجراءات المنتظرة التي من شأنها التخفيف عن المواطنين، في اي مجال مالي واقتصادي، وقد وضع دياب رهانه على مثل هذه الاجراءات التي قد تظهر بوادرها بداية الشهر المقبل، وفق ما يتردد، وستطال مسائل تتعلق بسعر صرف ​الدولار​ واعادة جدولة استحقاق "اليوروبوندز" ورزمة من الينود التي قد تضيء شمعة في ظلام الازمة المستفحلة في لبنان.
لا شك ان رفع دياب لسقف التحدي، اتى وفق معطيات وعوامل باتت في متناوله، يبقى ان نعلم مدى جدوى وجدية هذه المعطيات وكيفية تطبيقها، ليصدر الحكم عما اذا كان الرهان ناجحاً ام انه سيضع رئيس الحكومة امام ازمة جديدة، ومواجهة اوسع واشمل في الداخل والخارج على حد سواء.