هو سباقٌ مع الوقت تخوضه حكومة "مواجهة التحدّيات"، بعدما أصبحت في قلب التحدّيات، لا على أعتابها، توازياً مع الاستحقاقات الماليّة والنقديّة التي تواجهها داخلياً وخارجياً، والتي توجب عليها إعلان "خطة الإنقاذ" الموعودة منذ ما قبل ولادة الحكومة.

وإذا كان رئيس الحكومة وعد بـ"ترجمة عمليّة" للخطّة بدءاً من الأسبوع المقبل، وُصِفت بـ"غير الشعبيّة"، فإنّ الأمر أعاد إلى أذهان الكثيرين "السيناريو" الذي اتبعته الحكومة السابقة، والتي كان رئيسها ​سعد الحريري​ وعد فيها بإجراءاتٍ مماثلةٍ، أطاحت سريعاً بالحكومة، بل بالتفاهمات التي كانت سبب وجودها.
وعلى رغم اختلاف الظروف اليوم، وإدراك اللبنانيين صعوبة الأوضاع ودقّتها، فإنّ ثمّة من يعتقد أنّ الحكومة الحاليّة بدأت "تستنفد" مهلة السماح التي منحها إياها الشارع قبل المعارضة، بل إنّها من توفّر كلّ المقوّمات المَطلوبة لـ"إنعاش" الحراك الشعبي، وبالتالي تجدّد "انتفاضة" الناس، وللأسباب نفسها...

المهلة انتهت؟!

على رغم كلّ "الدعاية" التي رافقت تشكيلها، وما تخلّلها من "بروباغندا" معلومة الأهداف، ولو كانت مجهولة المصدر، فإنّه ليس خافياً على أحد أنّ حكومة حسّان دياب مُنِحت منذ تشكيلها "مهلة سماح" حقيقيّة على أرض الواقع.
لم تنبع "مهلة السماح" هذه من مواقف بعض القوى المعارضة قولاً للحكومة، والتي تلتقي معها مضموناً في الكثير من المحطّات، بعدما كانت "شريكة" مكوّناتها في صنع القرار على امتداد سنواتٍ طويلة، كما ظهر مثلاً في مقاربة قرار المدّعي العام المالي ​علي إبراهيم​ الأخير، قبل التراجع عنه، والذي أعاد فرز "تحالفات" الأيام الغابرة، واضعاً على سبيل المثال لا الحصر، الحريري ودياب على الضفة نفسها.
لكنّ هذه "المهلة" تُرجِمت عملياً بـ"هدوء" الشارع وتراجع زخمه، بعد أشهرٍ من التظاهرات التي أحدثت حالةً من "الشلل" في البلاد، وذلك على رغم اعتراض معظم مجموعات الحراك على الطريقة التي وُلِدت فيها الحكومة، والتي لم تُراعِ معظم المَطالب التي رفعتها، وأولها أن تكون الحكومة مؤلّفة من اختصاصيّين مستقلّين حصراً، ما يفرض بالحدّ الأدنى أن لا تتولى القوى السياسية نفسها تسمية هؤلاء الاختصاصيين، بما يجعلهم أقرب إلى "الوكلاء" من أيّ شيءٍ آخر.
اليوم، يبدو واضحاً أنّ هذه "المهلة" أوشكت على الانتهاء، إن لم تكن قد انتهت فعلاً، وهو ما أوحت به التحرّكات التي شهدتها بعض المناطق هذا الأسبوع، ولو كانت خجولة نسبياً، ونالت نصيبها من "التسييس" في الكثير من الأوساط، والتي يقول كثيرون إنّها لم تكن سوى "بروفا" لما ينتظرها في القادم من الأيام، خصوصاً أنّ الوقت لم يعد مفتوحاً أمام الحكومة، التي يرى كثيرون أنّها تأخّرت كثيراً في "التصدّي" للتحديات المُلقاة على عاتقها، بعدما اكتفت منذ تشكيلها بإطلاق الشعارات، وتشكيل اللجان، لتضيق الخيارات أمامها في نهاية المطاف...

خطايا... وتحديات!

عموماً، وبمُعزَلٍ عمّا إذا كانت "مهلة السماح" للحكومة قد انتهت أو أوشكت على الانتهاء، وبغضّ النظر أيضاً عمّا إذا كان الشارع اليوم قادراً على استعادة المشهد المدوّي الذي نجح في تسطيره في "انتفاضة" السابع عشر من تشرين الأول الماضي، للمرّة الأولى في تاريخه الحديث، فإنّ الاعتقاد السائد في الأوساط السياسية ينطلق من أنّ الحكومة ارتكبت، خلال فترةٍ قياسيّة، "خطايا" بالجملة من شأنها الدفع نحو تحرّك الشارع.
ولعلّ الكلمة التي أطلقها رئيس الحكومة حسّان دياب، ولو تعمّد الرجل توضيح خلفيّاتها واتهام مستغلّيها بالتضليل، كافية لتحديد "الأسباب الموجبة" لأيّ انتفاضةٍ على السلطة، بكلّ أشكالها وأفرعها، فالرجل لم "يفضح المستور" عندما شكا "فشل الدولة"، ولم يكشف "الخبايا" عندما حدّد مكامن هذا الفشل، عندما تحدّث بوضوح عن معضلات كبرى تختزلها آليات الدولة التي لا تزال "مكبّلة بقيود طائفية صدئة، وجنازير فساد محكمة، وأثقال حسابات فئوية متعدّدة، وفقدان توازن في الإدارة، وانعدام رؤية في المؤسسات".
ومع أنّ دياب حاول القول إنّ كلامه هذا جاء في سياق "التمهيد" لإعلان تصميمه لمواجهة كلّ التحدّيات، وبالتالي تفكيك التعقيدات التي تصطدم بها حكومته، فإنّ كثيرين رأوا أنّ هذه "المقدّمة" كانت تصلح لخطاب استقالةٍ، يكاد يشبه الخطاب الذي ألقاه الحريري قبيل استقالته قبل أشهر، خصوصاً أنّ دياب بدا من خلال كلامه هذا كمَن يشكو "منعه من العمل"، على الطريقة اللبنانية التقليدية القائلة "أردنا الإصلاح، لكنّ الآخرين منعونا"، علماً أنّ انتقاداتٍ كثيرة تُوجَّه للحكومة، على غرار اقتصار عملها على إطلاق الوعود، وتأليف اللجان، من دون أن ترتقي حتى اليوم إلى "المواجهة" الحقيقيّة.
وفي وقتٍ يقول البعض إنّ "رهان" الحكومة قد يكون على أنّ "شرارة ​الانتفاضة​" قد انطفأت ولو نسبياً، بعدما شعر اللبنانيون أنّ "الانهيار" يكاد يسبقها، وبعدما باتوا يعانون الأمرَّيْن نتيجة البطالة والغلاء الفاحش، فإنّ هناك من يرى أنّ الحكومة لم تقدّم، أقلّه حتى اليوم، البدائل "المقنعة"، خصوصاً أنّ الوضع يزداد تفاقماً، فهي انتظرت حتى اللحظة الأخيرة لاتخاذ قرارها من استحقاق "اليوروبوند"، ما ضيّق الخيارات أمامها وأضعف فرص أيّ "تفاوض" ممكن، ولم تواجه حتى الآن بجدية التحديات الكبرى، وأولها الغلاء في الأسعار، و"الإذلال" الذي يتعرّض اللبنانيون في ​المصارف​ وغيرها، فضلاً عن الارتفاع الذي يكاد يصبح "جنونياً" في سعر صرف الدولار مقابل الليرة.

من يسبق؟!

يقول البعض إنّ اللبنانيين "استسلموا" لواقعهم المُرّ، فارتفاع سعر صرف الدولار بات أمراً طبيعياً، واقتصار "المصروف" الذي تتمنّن عليهم المصارف به على "الفُتات" صار من "يوميّاتهم"، تماماً كالغلاء الفاحش في الأسعار، والذي يتزايد يوماً بعد آخر، و"التهويل" المستمرّ بإضراباتٍ من هنا أو من هناك.
قد يكون مَرَدّ ذلك، برأي البعض، أنّ اللبناني بات خائفاً من الغد، في ظلّ الصورة "السوداوية" التي يحرص الكثيرون على رسمها، وأنّه بات يعتقد أنّ الوقت ليس وقت "​الثورة​"، لأنّ الانهيار القائم من شأنه أن يقضي على الأخضر واليابس، والمطلوب التصدّي للوضع، قبل "محاسبة" الطبقة السياسية على كلّ "خطاياها".
وإذا كان منطقياً أنّ تحميل الحكومة الحاليّة كلّ المسؤولية أكبر من قدرتها عل التحمّل، فإنّ "المنطقيّ" أيضاً أنّ المطلوب منها تقديم مقاربة مختلفة، وهو ما لم يظهر حتى اليوم، مقاربة تمنحها "شرف" المحاولة على الأقلّ، قبل أن يفوت الأوان، ويسبقها قطار "الحراك الشعبي" الذي يفترض أن يعود، عاجلاً أم آجلاً، إذا ما استمرّ الوضع على حاله...