لقد بات من الواضح للعالم أجمع بأنّ ​فيروس كورونا​ الذي تحوّل وباء، إنما هو يهدّد الإنسانية جمعاء.. فهو لا حدود له، ولا قومية او دين او ​طائفة​، انه عابر للدول والشعوب والأعراق والاثنيات، لا يميّز بينها، فهو يستهدف كلّ إنسان على ​الكرة الأرضية​، ولا يفرّق بين شخص وآخر في انتشاره وانتقاله.. ومع ذلك وبدلاً من التعامل مع هذا الوباء من جميع الحكومات والقوى السياسية، انطلاقاً من ذلك، وبروحية تغليب مصلحة جميع البشر في العمل على احتواء ومحاصرة هذا الفايروس والحدّ من خطره على أرواح الناس.. كشف التعامل مع هذا المرض الخطير ان هناك من هو معاد للإنسانية والشعوب ويستغلّ حتى المرض لتوظيفه في مآرب ومصالح سياسية من جهة، وهناك من هو إنساني وصديق الشعوب ويغلب مصلحة البشرية عامة على المصالح الخاصة والضيقة وتصفية الحسابات السياسية…


ظهر الفرق بين الاتجاهين واضحاً لا لبس فيه، على المستويين الدولي والوطني، من خلال بعض المواقف وطريقة التعامل مع هذا الوباء.. وفي هذا السياق من المهمّ التوقف عند أبرز المواقف السلبية والإيجابية والدلالات التي تؤشر إليها…


على مستوى المواقف السلبية، يمكن أخذ ثلاث عيّنات كنماذج فاقعة على صعيد استغلال وباء كورونا…


أولاً، أثبتت ​الإدارة الأميركية​ برئاسة الرئيس ​دونالد ترامب​ استعلاء واستخفافاً وعنجهية وشماتة في التعامل مع ​الصين​ التي بدأ انتشار الفايروس فيها، بمقاطعة ​ووهان​ الصناعية، فاستغلّ ترامب ذلك لمحاولة النيل من الصين التي تشكل أكبر منافس للولايات المتحدة، اقتصادياً عبر السعي إلى شيطنتها وشنّ حملة عنصرية ضدّها وتصويرها بأنها مصدر وباء للعالم، وذلك بهدف أساسي وهو عزلها عن العالم وإلحاق أكبر ضرر باقتصادها.. فيما ذهب ترامب حدّ الشماتة ب​الجمهورية​ الإسلامية ال​إيران​ية التي انتقل الوباء إليها ورفض رفع الحصار عن ​المستلزمات الطبية​ التي تحتاج إليها إيران لمكافحة هذا المرض.. ولم يستمع ترامب إلى نداءات ​الأمم المتحدة​ و​منظمة الصحة العالمية​ لتقديم المساعدة العاجلة لإيران.. ولم يتوقف الأمر على الصين وإيران، بل انّ ترامب تخلى عن مدّ يد المساعدة إلى ​إيطاليا​ الحليف للولايات المتحدة والعضو في حلف الناتو.. إنّ هذا الموقف للرئيس الأميركي وإدارته يظهر بشكل سافر كيف انّ ​السياسة​ الأميركية، حتى بالمرض، لا تمتّ للإنسانية بصلة، وانها لا تتوانى للحظة عن استغلال وباء كورونا في خدمة ​تحقيق​ سياساتها الاستعمارية القائمة على التسلط وعدم احترام سيادة واستقلال الدول وحقوق شعوبها.. كما ترفض التعاون مع الدول الأخرى لمكافحة هذا الوباء.. لكن إدارة ترامب سرعان ما وقعت في شرّ أعمالها غير الإنسانية وغير الأخلاقية.. عندما انتقل وباء كورونا إليها، وتبيّن انّ اعداداً كبيرة من الأميركيين قد أصيبوا بهذا المرض الخطير، وأنّ في ولاية ​أوهايو​ وحدها، هناك مئة الف مصاب ، ما أربك ترامب وإدارته والنظام الصحي في ​أميركا​، ودفع ترامب إلى إعلان ​حالة الطوارئ​..


ثانياً، إصرار الرئيس الفرنسي ماكرون والحكومة والأحزاب الفرنسية على إجراء ​الانتخابات البلدية​ في البلاد رغم الدعوات إلى تأجيلها في إطار الإجراءات الاحترازية لمكافحة الفيروس التي تتطلب منع التجمعات وإلغاء كلّ الأنشطة وإعلان حالة الطوارئ كي لا يتكرّر ما حصل في إيطاليا نتيجة الاستخفاف في مواجهة المرض.. لقد كشف إجراء الانتخابات رغم الاعتراض الشعبي، وضعف المشاركة فيها، انّ المسؤولين الفرنسيين والأحزاب الفرنسية فضّلت السعي الى تحقيق مصالحهم السياسية الضيقة حتى ولو أدّى ذلك الى التسبب بانتشار وباء كورونا وإلحاق الضرر الكبير بصحة وأرواح الفرنسيين..


ثالثاً، دعوة رئيس حزب ​القوات​ ​سمير جعجع​ إلى عزل ​المخيمات الفلسطينية​ ومخيمات ​النازحين​ السوريين، الأمر الذي يصوّر هذه المخيمات مصدراً لوباء ​الكورونا​ وخطراً على ال​لبنان​يين، هو ما يتنافى مع حقيقة انّ المرض لا حدود له وهو عابر ليس فقط لكلّ المناطق في لبنان ولا يميّز بين من هو في المخيمات او من هو خارجها، بل هو عابر للدول وهو منتشر في أكثر من مائة وعشر دول في العالم.. في حين انّ كلّ الإصابات المثبتة في لبنان حتى الآن والبالغة نحو مائة إصابة لم يتبيّن وجود أيّ مصاب منها مصدره المخيمات.. بينما الإجراءات التي اتخذتها ​الحكومة اللبنانية​ ومنظمة الصحة العالمية شاملة كلّ الأراضي اللبنانية دون استثناء.. إنّ عدم وجود أيّ سبب منطقي وواقعي يبرّر دعوة جعجع إلى عزل المخيمات، يكشف الطابع العنصري لهذه الدعوة ويميط اللثام عن سعى للتحريض على ​اللاجئين​ العرب ​الفلسطينيين​ والنازحين العرب السوريين بطريقة خبيثة تعكس العداء الذي يكنّه جعجع للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وكذلك عدائه لسورية، قيادة وشعباً وجيشاً… وهو لا يتوانى عن استغلال المرض الذي يجتاح لبنان والعالم، في خدمة سياساته التي تخدم المشروع الأميركي الصهيوني، تماماً كما سارع البعض إلى التحريض على إيران والزعم بطريقة سافرة أنها صدّرت الكورونا إلى لبنان.. في وقت كشف ​تقرير​ لقناة «أل بي سي» انّ العدد الأكبر للمصابين في لبنان تسبّب به مصابون جاؤوا من إيطاليا و​فرنسا​ ومصر وغيرهم.. وانّ الذين أصيبوا بفعل احتكاكهم بمواطنين جاؤوا من إيران كانوا الأقل عدداً…


أما على مستوى المواقف الإيجابية في التعامل مع كورونا فقد برزت المواقف التالية، التي شكلت نماذج مناقضة تماماً للنماذج السلبية المذكورة آنفاً…


أولاً، نجاح الصين في تقديم نموذج إنساني لناحية طريقة تعامل حكومتها مع انتشار كورونا في مقاطعة ووهان ومساعدتها سكانها، على نحو أذهل العالم لناحية السرعة في محاصرة الفيروس واحتوائه والسيطرة عليه خلال أقلّ من شهرين حتى باتت تسجّل الصين أدنى نسبة إصابات بهذا المرض في اليوم… وبعد أن نجحت في ذلك، سارعت ​الحكومة الصينية​ إلى إرسال فريق من أطبائها، الذين أسهموا في سرعة مكافحة الوباء، الى إيطاليا لمساعدتها على احتواء المرض الذي انتشر بكثرة فيها.. فيما أرسلت ​مساعدات​ طبية عاجلة إلى إيران واتصل الرئيس الصيني بنظيره الإيراني مؤكداً له أنّ الصين ستقف إلى جانب إيران في محنتها.. هذا الموقف الصيني الإنساني الأممي عرى النظام الرأسمالي الغربي لا سيما النظامين الأميركي والفرنسي، وأثبت للعالم انّ ​الدولة​ الصينية أكثر إنسانية وأخلاقية وحرصاً على التعاون والتكافل الأممي لمجابهة خطر يهدّد شعوب العالم، من الأنظمة الرأسمالية المتوحشة…


ثانياً، لقد قدّمت إيران ​الثورة​ أيضاً نموذجاً شفافاً في التعامل مع وباء كورونا، وجسّدت ​القيادة​ والحكومات وكل المؤسسات فيها مسؤولية عالية في العمل على مكافحة الوباء، ومساعدة الفئات الشعبية المتضرّرة من المرض.. والعمل الحثيث من قبل مراكز أبحاثها الطبية لإيجاد لقاح لهذا المرض..


ثالثاً، لقد تأكد اليوم على نحو فاقع انّ النظام الرأسمالي الإمبريالي بقيادة أميركا، إنما هو نظام فاقد للروح الإنسانية والضمير الإنساني والقيم والأخلاق الإنسانية.. وهو معاد لمبدأ التكافل والتضامن والتعاون بين الدول والأمم لمواجهة المحن الطارئة، مثل محنة كورونا.. في حين انّ النظام الاشتراكي هو صديق الشعوب الذي ينبض بروح الإنسانية وقيمها وأخلاقها