*مدير المعهد الفني الانطوني

ربما يتساءل البعض عن عنونة هذا المقال في أيام يشهد فيها ​العالم​ تغييرًا في الديموغرافيا والبيولوجيا ويشهد تتطورا كبيرا في عالم ​الصناعة​ والتطور العلمي والإنتاجي والتكنولوجي والتواصل الاجتماعي الذي جعل من العالم قرية صغيرة مرتبطة مع بعضها البعض. ولكن يبقى هذا ​الإنسان​ المخلوق على صورة الله، والذي يسكنُ الجبلة الضعيفة من لحم ودم والمجبول من تراب هشًّا وزائلًا، ولو مهما بلغ به الأمر من تطوُّر في جميع القطاعات. وصدق الكتاب حين:«قال من يستطيع أن يزيد على عمره يومًا واحدًا أو على جسده مقدار ذراع» وأيضًا «ما الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده»(مز 4.8) جبل الله الإنسان من ضعف، كما قال تعالى: "وخلق الإنسان ضعيفًا" (النساء 28)، و​الانسان​ في قرارة ذاته يعرف عُمقَ هذا الضعف، جسديًا، نفسيًّا، روحيًّا، وأيضا علميًّا. إذ أنَّهُ خُلق ضعيفًا في علمه؛ قال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا" (الإسراء:85).

أمامَ هذا الواقع الإنساني وأمام هذه التحديات التي يواجهها العالم اليوم تتجلى أمام أعين الإنسان قدرته المحدودة في ​الحياة​، وهو أمام مفصلَين، فإما المواجهة على قدر الضعف والهوان وإما الاستسلام للموت المحتم. ففي هذه الأيام اعتلى العرش«الاكليل» وأخضع النَّاس لأحكامه وطيَّعها لإرادته وهو مجرَّد جرثومة... إنَّه ​فيروس كورونا​ الذي توج العالم بالموت والاندثار وجلب الخوف لبني آدم الذي اضطرَّ لحجر ذاته وكيانه خشية من هذا الوحش الضروس المحجوبِ عن العين، الذي هاجم أرضنا وانتشر بسرعة في بيوتنا وبين عائلاتنا وفتك بأحبَّاءٍ لنا... وها هو في قلبِ المحنة يدفعنا إلى إعادة نظر شاملة، إلى رؤية جديدة وبعدٍ جديد، إلى تغيير في التوجُّهات... نعم إنَّه زمن التغيير لقراءة جديدة، لمفهوم وجودنا في هذه الحياة، إنَّه زمن التغيير من الإسوأ إلى الأفضل، من خلال جعل أولويات حياتنا علاقاتنا ببعضنا البعض والقرب من بعضنا البعض بالعمق والمشاركة. إن انتشار هذا الفيروس أعاد للانسان مكانته الطبيعية وصوَّب البوصلة باتجاه علةَّ وجوده على هذه الأرض.
نعم فليكن التغيير للأفضل والوعي أمام علة وجودنا وكياننا الترابي الزائل والعائد إلى الانحلال، ولتكن هذه الأيام مناسبة لإعادة قراءة ذاتية لمفهوم الأنسنة والتكاتف والوحدة مع العالم كله، والتعاون مع أصحاب القلوب ​البيضاء​ والجريئة والتضرع و​الصلاة​ إلى الله على أمل أن تنجلي هذه المحنة عن العالم أجمع.
إن الرجاء بعد كل محنة أو ضيق يضاعف فينا الإيمان واليقين بالله خالق السموات والأرض ويعزز فينا السير نحو السماء إلى حياة أبدية خالدة.