في الوقت الذي كان فيه ​لبنان​ منشغلاً من رأسه حتى أخمص قدميه بتداعيات فيروس «كورونا» على وقع إعلان التعبئة العامة التي ربما تكون تمهيدية لاعلان ​حالة الطوارئ​ في حال توسعت رقعة انتشار هذا الوباء، وفي الوقت الذي تعيش فيه ​السياسة​ حالة من التعطيل القسري، و​الوضع الاقتصادي​ والمالي حالة من الضبابية نتيجة عدم التزام لبنان بالمهلة المعطاة له لسداد سندات يوروبوندز، ظهرت على الساحة صفقة ما تزال مجهولة الغاية تمثلت باصدار ​المحكمة العسكرية​ حكماً قضى بوقف التعقبات في آخر آمر لسجن ​الخيام​ إبان الاحتلال الإسرائيلي ​عامر الفاخوري​ الملقب بـ«الجزار».


وبغض النظر عن تمييز مفوض ​الحكومة​ لدى ​محكمة التمييز العسكرية​ القاضي غسّان الخوري الحكم والطلب من محكمة التمييز العسكرية نقض الحكم وإصدار مذكرة توقيف بحق الفاخوري وإعادة محاكمته بالجرائم المنسوبة إليه، فإن الحكم الذي صدر بوقف تعقبه واطلاقه كان بمثابة «العاصفة» القوية التي بعثرت كل الأوراق المطروحة على بساط المعالجة من ​فيروس كورونا​، مروراً بتداعيات تخلف لبنان عن دفع مستحقات اليوروبوندز، وصولاً الى الإرباك الحاصل في ما خص ​التشكيلات القضائية​ وغيرها من الملفات التي تعمل الحكومة على مقاربتها.


ومما لا شك فيه أن القرار الذي صدر بحق الفاخوري شكل علامة سوداء عند أهالي الشهداء لا سيما الذين سقطوا على يديه مباشرة، كما أنه طرح أكثر من علامة استفهام حول الجهة التي ضغطت في اتجاه أن يصدر القرار لصالح «الجزار» في الوقت الذي يوجد فيه مئات المسجونين في سجن روميه وغيره من دون محاكمة، وكأن ​القضاء​ هذه المرة تعامل مع هذا الملف على قاعدة «ناس بسمنة وناس بزيت».


ليس خافياً على أحد أن ​الولايات المتحدة الأميركية​ تدخلت على الخط مباشرة منذ إعلان توقيف الفاخوري في ​مطار بيروت​، وهي أعربت عن استيائها من اقدام ​القوى الأمنية​ على توقيفه وهو الحامل للجنسية الأميركية من دون إعطاء الأسباب الموجبة لاعتقاله أي اعتبار، وقد تبلغ المسؤولون في لبنان إن عبر القنوات الدبلوماسية أو مباشرة عن طريق موفدين أميركييين حضروا إلى لبنان لهذه الغاية رغبة ​واشنطن​ بإطلاق سراحه فوراً، وغالباً ما كان الطلب الأميركي يحصل بلهجة حاسمة وحازمة، وقد وصل الأمر إلى حدّ ربط مسألة إطلاق العميل الإسرائيلي بالمساعدات الأميركية للبنان، بالإضافة إلى أمور أخرى، وقد صمد لبنان في رفضه الطلب الأميركي عدّة أشهر إلى ان حصل ما حصل مطلع هذا الأسبوع. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل رأت المحكمة العسكرية في ملف الفاخوري أن ما من شيء يستدعي استمرار توقيفه، أم أن الضغوط الأميركية على لبنان قد فعلت فعلها فتم استغلال ​الأزمة​ التي يعيشها لبنان نتيجة فيروس كوروا حيث وجد أهل الحل والربط الفرصة مناسبة لتمرير هذه الصفقة تحت «جناح كورونا»؟


«الجزار» مسؤول مباشر عن قتل مقاومين وأسرى في سجن الخيام واختفاء آخرين


في ما خص الشق الأول إن الملف الذي اعتقل على أساسه الفاخوري حافل بالمعلومات والوقائع الدامغة التي تدينه لا بل تبرر صدور حكم ​الإعدام​ بحقه، خصوصاً وأن العشرات ممن كانوا معتقلين في سجن الخيام في حقبة الاحتلال الإسرائيلي قد تعرفوا عليه، وكشفوا عن جرائم كثيرة ارتكبها بحقهم وبحق معتقلين آخرين، والبعض قال أنه أجهز بنفسه على معتقلين، وكان سبباً رئيسياً في اختفاء آخرين وهذا الأمر يدحض مقولة أن ملفه لا يستدعي التوقيف.


يبقى الشق الثاني وهو الأقرب إلى الحقيقة حيث ان التدخل الاميركي المباشر، والضغوطات الأميركية على لبنان على أكثر من صعيد كانت السبب الرئيسي في توقيف ملاحقته، حتى أن بعض المعلومات تحدثت في وقت سابق عن محاولات أميركية حثيثة جرت لتهريبه من خلال الادعاء بأنه مصاب ب​السرطان​ لنقله إلى المستشفى ومن هناك يتم تهريبه، وهذه المحاولات قد فشلت، مما حمل المسؤولين الأميركيين المولجين متابعة هذه القضية إلى اللجوء إلى أدوات الضغط للحصول على الهدف، الذي على ما يبدو هو كنز ثمين لدى الأميركيين وربما الإسرائيليين أيضاً.


وفي الوقت الذي ترددت فيه بعض المعلومات من أن ​طائرة​ خاصة ستأتي من ​أثينا​ من دون الكشف عن هويتها لنقل الفاخوري، أكدت مصادر أن «الجزار» ما زال في لبنان، وأن الغموض ما زال يكتنف الخاتمة التي سينتهي إليها الفاخوري بعد الضجة التي نجمت عن قرار المحكمة العسكرية.