يقول كزافيه ايمانيوللي، أحد مؤسسي أطباء بلا حدود الذي كلّف بمهمة الأعمال الإنسانية الطارئة في حكومتي آلان جوبيه، "كل أزمة تصنع قادة، وهم دائماً، أولئك الذين يعرفون ما يجب فعله". مقولةٌ قد تصح في أي وطن وفي أي ازمة الا في ​لبنان​، هذا الوطنالسقيم الذي انهكته كل أزمات ​العالم​ ولم يجد، من يعرف ما يجب معرفته او يفعل ما يلزم فعله. نعم، لبنان،وطنانقرض فيه جنس القادة لأن شعبه صنع له زعماء من جنس الملائكة.

وفي غضون محاولة ​الشعب اللبناني​ الانتفاض على واقعه المرير، ولدت ​حكومة​ حسان ديابمن خارج المجرى التسلسلي للاحداث وانطلقت في رحلة عكسية في الزمن، فاستعارت لها من حكومة الأصيلين، ​الموازنة​ و​البيان الوزاري​ والمشاريع الانقاذية المبتورة والتزمت نهجاً،عتيقاً في مضمونه متجدداً في تعابيره اللّغوية والإنشائية، تفشى خلفه مرض ​الدولة​ المستعصي: غربة الزمان والمكان.
ومن احدثابتكارات حكومة الاختصاصيين ولجان التقنيين ومكاتب الاستشاريين مشاريع قوانين "قبل وبعد ١٧ تشرين الأوّل الفائت". وابرزهامشروع قانون"الكابيتال كونترول"المسلوخ عنوةً عن بيئته ​الدستور​ية والقانونية،حيث تقرّالحكومة في متن أسبابه الموجبة بأن ما "تعرّض له المودعون لم يرتكز إلى أساس قانوني"، وتصرّ على اعطائه صفة المعجّل لتسرّع حماية المصارف من ايّة ملاحقة قضائية او محاسبة او مساءلة. اما الأسوأ من ذلك،هو جهل هذه ​السلطة​تماماً بأنها تدفع من رصيدها، الآخذ بالتآكل،ثمن قانون سيولد ميتاً وفارغاً من مفعوله، لأنها تقدمه في سياقٍ زمني خاطئ، ولأن هذه الوصفةٍالتشريعية باتت منتهية الصلاحية لقطاع عليلٍينازع على فراش ازمة ماليّة مستجدة، ولأن هذا ​الدواء​ كان يصلح لما قبل جائحة ​الكورونا​، اما الآن، بات وباء البنوك اللبنانية يتطلب حجراً قانونياً الزامياً.
في زمن اعلان الطوارئ المصرفية العالمية واستنفار كبرى البنوك المركزية، وحدها حكومة الـ١٠٠يوم تغرّد في فضاء المصالح الضيّقة وتتبجح بخططها الفاشلة، وتتلهى في صياغة مشاريع قوانين "الكابيتال كونترول"او bail-inاو bail-out وجميعها، تشريعات عشوائية منفصلة تماماً عن الواقع العالمي الجديد.
ووسط ذعر المستثمرين في أسواق المال من تداعيات ​فيروس كورونا​ والهروب الكبير من سوق الأسهم، تجهدالحكومة،من على كوكبها اللبناني،لتحصّن البنوك بتشريع مستوحى من الزمنٍ الغابر.
وفي حين، تشير ​منظمة العمل الدولية​ في أحدث تقييم لها بأن انتشار وباء كورونا يمكن أن يؤدي إلى زيادة أعداد العاطلين عن العمل في العالم بنحو 25 مليون شخص، وترى ضرورة اتخاذ تدابير لتوسيع الحماية الاجتماعية ودعم استبقاء العاملين في وظائفهم، وتقترح إجراءات مالية ونقدية تشجيعية مثل الإقراض والدعم المالي للقطاعات الاقتصادية المتضررة، في المقابل، تسعى حكومتنا التائهة لتسريع إقرار قانون القيود على العمليّات المصرفية، والذي تحدّد بموجبه التحاويل الخارجية لاستيراد المواد الاساسية لكافة القطاعات الاقتصادية وربطه بمعدل ٥،٠٪ من مجموع ودائع المصرف، تاركة له مطلق الصلاحية لاستنساب، الاطار الزمني لهذا المعدّل، وأرقام مجموع الودائع والفئات الاقتصادية المستفيدة وتخصيص العملاء المميزين منهم، والأخطر، القيود على حقّ المواطن في الغذاء والدواء.
ليس من المبكر الحديث عن تحوّل أزمة الفيروس التاجي إلى أزمة ائتمانية، وحتماً من المريب بمكان، تفاعل صانعي ​السياسة​ الماليّة اللبنانيّة معها، ففي وقت نشهدمساعي سعادة الحاكم للاستحصال على صلاحيات تشريعية استثنائية مخالفة للدستور، يتداعى محافظو البنوك المركزية على جميع الجبهات لمنع انهيار النظام المالي. اما السلطة التنفيذية، تبدو انها انصاعت نحو مشاريع قوانين مصرفية مدموجةً بصلاحيات غير دستوريةلحاكمية ​مصرف لبنان​، بدلمساءلتها ومحاسبتها.وفي ظلّ، التقديرات المالية التي تنبئ بتهاوي المنظومة المصرفيّة بعد ان اقحمت نفسها ومعها الدولة في قلب هذه ​الأزمة​ العالمية، ستكون القرارات الحكوميّة، بمصادرة أموال المودعين والإبقاء على القطاع مصرفي المهترئ، المتورط في التلاعب بسيادة الدولة المتعثّرة، والعاجز عن تغطية حجم انكشافه في أسواق المضاربة الماليّة، هي الجائحة اللبنانيّة التي ستقضي على شعب بأكمله، جائحة لا تقل خطورة عن وضع العملاء في سجونٍ بلا قضبان وبيع الشهداء والموتى في الاكفان.

*أستاذة جامعيّة متخصّصة بعلم قانون المصارف