يبدو أن البعض في ​لبنان​ لم يعتد التوقف عن السجالات السياسية مهما كان الثمن، فهي خبزه اليومي حتى ولو كان هناك خطر وجودي يهدد حياة جميع اللبنانيين دون استثناء، يتمثل ب​فيروس كورونا​ المستجد الذي يتميز بسرعة انتشاره، وهو ما يدفعه إلى تبديل مواقفه بين يوم وآخر بشكل لا يصدق.

هذا الواقع، يدفع بعض القوى والشخصيات التي سارعت، قبل أيام، إلى رفض الحديث عن ضرورة عزل بعض المناطق التي ينتشر فيها كورونا، إلى بدء الحديث عن ضرورة إعلان ​حالة الطوارئ​، رابطة عدم اتخاذ هذه الخطوة بمحاذير سياسية لدى كل من "​التيار الوطني الحر​" و"​حزب الله​"، مع العلم أن أمين عام الحزب ​السيد حسن نصرالله​ كان قد دعا ​الحكومة​، في خطابه ما قبل الأخير، إلى اتخاذ أي خطوة تراها مناسبة، حتى ولو كانت الذهاب إلى إعلان حالة الطوارئ، بينما التيار يضع الموضوع في عهدة ​مجلس الوزراء​ مجتمعاً.
الحجّة، التي يسوّق لها المزايدون، تكمن بأن في هذه الحالة ​الجيش​ سوف يتسلّم زمام الأمور، وان "الوطني الحر" ليس على علاقة جيدة مع قائد الجيش ​العماد جوزيف عون​، بينما في حالة التعبئة تبقى الأمور على حالها مع رفع الجهوزية لدى ​الأجهزة الأمنية​، التي تكلف من قبل مجلس الوزراء باتخاذ ما يراه مناسباً من إجراءات، لكن في المقابل هناك بعض النقاط الأساسية التي يتجاهلها هؤلاء من أجل الاستمرار في هذا النهج.
في هذا السياق، توضح مصادر قانونية، عبر "النشرة"، أن المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي 52 الصادر في 5 آب 1967، حدّدت الأسباب التي تؤدي إلى إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية، عند تعرّض البلاد لخطر داهم ناتج عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة أو أعمال أو اضطرابات تهدد النظام العام والأمن، أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة، في حين أشارت المادة الثالثة إلى أنه فور إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية، تتولى ​السلطة​ العسكريّة العليا صلاحية المحافظة على الأمن، وتوضع تحت تصرفها جميع القوى المسلحة.
وتشير هذه المصادر إلى أن إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية، يقود حكماً إلى توسيع صلاحيات السلطات العسكرية، بحيث يحق لها اتخاذ جملة من التدابير منها: تحري المنازل ليلاً أو نهاراً، فرض الإقامة الجبرية، منع الاجتماعات المخلة بالأمن، إعطاء الأوامر في إقفال قاعات السينما والمسارح والملاهي ومختلف أماكن التجمع بصورة موقتة، منع تجوّل الأشخاص والسيارات في الأماكن وفي الأوقات التي تُحدد بموجب قرار، منع النشرات المخلة بالأمن واتخاذ التدابير اللازمة لفرض الرقابة على مختلف وسائل الإعلام.
وفي حين أكدت المادة 65 من ​الدستور​ أن اعلان حالة الطوارئ من المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء، تلفت المصادر نفسها إلى أن المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي المذكور أعلاه تشير إلى أن على ​مجلس النواب​ الاجتماع للنظر بهذا التدبير في مهلة ثمانية أيام، حتى ولو لم يكن في دور الانعقاد، أي أن هذا الإعلان يتطلب موافقة مجلس النواب، نظراً إلى ما قد يتضمنه من تداعيات خطيرة، لا سيما على الحريات العامة.
وبعيداً عن التساؤلات عما إذا كان الواقع الصحي الحالي يتطلب اعلان حالة الطوارئ ذات الطابع العسكري، قد يكون لافتاً أن الأمانة لمجلس النواب، المطالبة بالاجتماع خلال 8 أيام للنظر بهذا التدبير، أعلنت يوم أمس، للمرة الثانية، تأجيل لقاء الاربعاء النيابي المقبل في ​عين التينة​ الى موعد يحدد في حينه، بالإضافة إلى اغلاق مبنى مكاتب النواب وتأجيل اجتماعات اللجان على اختلافها لموعد يحدد في حينه.
من وجهة مصادر وزارية معنية، حتى الآن ليس هناك ما يستدعي إعلان حالة الطوارئ في لبنان، لا سيما أن الإجراءات المتخذة قادرة على ​تحقيق​ الأهداف المطلوبة، بعد أن عمدت الأجهزة الأمنية المعنية، في الأيام الماضية، إلى تشديدها، خصوصاً أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق المواطنين، الذين عليهم الالتزام بالتعليمات والتوجيهات التي تصدر عن الجهات المختصّة، لكنها تؤكد أن ليس هناك ما يمنع الذهاب إلى هذا الخيار، في الأيام المقبلة، بحال كانت الأوضاع الصحية تستدعي ذلك.
وتشير المصادر نفسها، عبر "النشرة"، إلى أن هذا الأمر يفرض المزيد من الأعباء على الأجهزة العسكرية، بالإضافة إلى أنه سيكون على السلطات المعنية الرد على الكثير من الأسئلة التي قد تطرح على هذا الصعيد، منها، على سبيل المثال لا الحصر، من يؤمّن حاجيات المواطنين في حال فرضت السلطات العسكرية منع التجول، لتؤكد أن هذا الموضوع صحي بالدرجة الأولى لا ينبغي التعامل معه من أي منطلق آخر.
في المحصّلة، إعلان حالة الطوارئ من عدمه مادة سجال جديدة بين القوى السياسية المختلفة، داخل الحكومة وخارجها، قد تفتح الباب إلى المزيد من التصعيد في الأيام المقبلة، لكن الأكيد أنه في الحالتين مسؤولية المواطن هي الأساس، الذي عليه واجب أخلاقي ووطني بحمايته لنفسه وعائلته ومجتمعه.