بغضِّ النَّظر إِذا كانت ​وزارة​ التَّربية ستتمكَّن، بمجهُوداتها الفريقيَّة مع وزارتي الاعلام والاتِّصالات، من إِنقاذ العامِّ الدِّراسيِّ الجاري، وبالتَّالي "إِنجاز" امتحاناتٍ رسميَّةٍ مقبولةٍ في حدِّها الأَدنى أَم لا... فإِنَّ "العصر الكورونيَّ الجديد" قد فرض شُروطه التَّربويَّة شبه التَّعجيزيَّة في ​لبنان​!.

فالـ"كورونا" عمَّمت "ثقافة الابتعاد عن الآخر"، و"التَّقوقع" تحت شعار "الحجر المنزليِّ" الضَّروريِّ، وذلك ينطبق –في ما ينطبق– على الشَّأْن التَّربويِّ أَيضًا، والمُتهالك عندنا... فمِن أَين لنا تعميم حُلم "التَّعلُّم عن بُعد" الآتي إِلينا كورونيًّا؟، فيما نحن "نُجالس الرَّاوتر"، وإِن بعُدنا عن أَقرب المُقرَّبين منَّا غير أَنَّنا لا نبتعد عنه، ونكاد نقوم بحركاتٍ بهلوانيَّةٍ... وكلُّ ذلك بهدف إِجراء مُكالمةٍ هاتفيَّةٍ واحدةٍ عبر "الواتسأَب"!...
وكيف نُحقّق تعلُّمًا عن بُعد، خبزُه اليوميُّ خدمةُ "إِنترنت" سريعةٍ، في بلدٍ الموت إِلينا أَسرع من الإِنترنت!... هذا إِذا ما اكتفينا بالشِّقِّ التِّقنيِّ، ولم ندخل بعد في ​تفاصيل​ الشُّروط المهنيَّة للتَّعامل التَّربويِّ الأَمثل مع التَّكنولوجيا المُتطوِّرة!...
إِنَّه زمن "المُساعدة عَن بُعد"، مثلما هو زمن "العشق عَن بُعد"… والتَّعبير عن العواطف النَّبيلة "عَن بُعد"… وتقديم واجب العزاء "عَن بُعد"… ومواساة الحزانى "عن بُعد"… وهو إِلى ذلك كلِّه… زمن "التَّعلُّم التَّعجيزيِّ عن بُعد!".


شُروطٌ مهنيَّةٌ


ويفرض "التَّعلُّم عن بُعدٍ" مجموعة شروطٍ على المعلّم أخذها في الاعتبار ومنها:
1-توضيح عُنوان الدَّرس وأَهدافه والفئة المُستهدفة (الصَّفّ) ومدَّة الحصَّة.
2-الأَخذ في الاعتبار الأَسئِلة التَّحضيريَّة في بداية الدَّرس.
3-التَّأَكُّد مِن تحضير أَجواء تحفيزيَّةٍ للمُتعلِّمين من بداية الشَّرح وحتَّى نهايتِه، وبخاصَّةٍ المعلومات السَّابقة المُتعلِّقة بالدَّرس.
4-التَّأَكُّد مِن التَّفاعُل مع المُتعلِّمين (من خلال أَسئلةٍ تكوينيَّةٍ لازمة للإِجابة عنها لاحقًا).
5-التَّأَكُّد مِن الأَخذ في الاعتبار المُتعلِّمين مِن ذَوي الصُّعوبات التَّعلُّميَّة.
6-تحضير الدَّرس مُسبقًا لناحية استخدام التَّعابير العلميَّة أو المصطلحات الصَّحيحة...
7-التَّأَكُّد مِن وضع روابط للتَّقييم النِّهائي للدَّرس، تُمكِّن مِن عمل المُتعلِّمين وطرح المُلاحظات لاحقًا، وكذلك وضع أَسئلةٍ تقييميَّةٍ يُمكن للمُتعلِّم نفسه أَنْ يَقوم بها لمعرفة مدى استيعابه الدَّرس، ووضع الرَّوابط على كُلِّ الصَّفحات الَّتي يستخدمها الأُستاذ لتبقى في ذهن المُتعلِّم.
8-التَّأَكُّد مِن التَّناسق بين الوقت المُخصَّص للشَّرح وكميَّة المعلومات المَنوي شرحُها.
9-التَّأَكُّد مِن استخدام لُغةٍ واضحةٍ وإِعطاء مثلٍ على كُلِّ فكرةٍ.
10-التَّأَكُّد مِن أَولويَّة الدَّرس المنوي شرحُه، وهل ثمَّة درسٌ يُمهِّد له؟.
11-التَّأَكُّد مِن تنويع الوسائل المُستَخدمة في الشَّرح (اللوح –نظام عرض الـPower Point-التَّسجيلات)...



شروطٌ تقنيَّةٌ


كما وينبغي التَّأَكُّد مِن الأُمور التِّقنيَّة الآتية:
1-استخدام استوديو مُتخصِّص (في الحالات العاديَّة)، مع تأْمين التَّجهيزات اللازمة...
2-التَّخفيف من المَشاهد الَّتي تُشتِّت تفكير المُتعلِّم عن مُحتوى الدَّرس (كالتَّركيز مثلاً على حركة المُعلِّم، وعلى الإِعلان الخاصِّ الَّذي يُمكن وضعُه على رأس الشَّاشة، بدلاً مِن أَنْ يُؤْخَذ مُباشرة من الكاميرا، ما مِن شأْنه أَنْ يتسبَّب بتقليص مساحة الرُّؤْية وبخاصَّةٍ لدى مُستخدمي الأَجهزة القديمة والشَّاشات الصَّغيرة الحجم.
3-ذكر سُبل الاتِّصال بالمُعلِّم لطرح الأَسئِلة...
4-في المواد العلميَّة الأَجنبيَّة، تَأْمين أُستاذٍ لكُلٍّ من اللُّغتَين الفرنسيَّة والانكليزيَّة.
5-جودة صوت المُعلِّم/ــة ووضوحه (الأَفضل وصله لاسلكيًّا بالكاميرا).
6-جودة الإِضاءة (قد تبدو التَّجارب المُسجَّلة واضحةً، خلافًا للكتابة على اللوح مثلاً، وقد يعود السَّبب إِلى المَخرج الخاصِّ بالشَّاشة(VGA Output).
7-ذكر الرَّابط الَّذي يُمكن من خلاله إِعادة بثِّ الدَّرس لزيادة الفهم عند المُتعلِّم.
8-استخدام HDMI Out من داخل الجهاز مُباشرةً، ما يُحسِّن الصُّورة والصَّوت خلال التَّسجيل.
9-يُفضَّل تسجيل مساحة الدَّرس (Full Screen).


حُقوق المُربِّين؟


ويكتمل المشهد التَّعجيزيُّ، مع وجود مُربِّين في لبنان، قد ضحَّوا وأَعطوا بسخاءٍ، وهُم على استعدادٍ للمضيِّ في ذلك حتَّى الرَّمق الأَخير… ويُنظر إِليهم في أَيَّام الشَّدائد والصُّعوبات، على قاعدة أَنَّهُم من سُكَّان "الفانُوس السِّحريِّ"، وبهم يُضرب المثل الشَّعبيُّ القائِل "من يشرب البحر لن يغصَّ بساقيةٍ"...
إنَّهُم مدعوُّون اليوم إِلى شبك الأَيادي، والعمل المُضني معًا لإِنقاذ العامِّ الدِّراسيِّ وبخاصَّةٍ بالنِّسبة إِلى المُتعلِّمين في صُفوف الشَّهادة الرَّسميَّة!. ولا بُدَّ من الإِقرار، بأَنَّ المُعلِّمين قد ضحَّوا بما فيه الكفاية، من غبنٍ ولا عدالةٍ اجتماعيّةٍ وهضمٍ للحقوق… ولكن على رُغم كُلِّ ذلك، فالمطلوب منهُم اليوم، "التَّطوُّع" مجدَّدا، وهذه المرَّة تُقال الكلمة بصريح العبارة... غير أَنَّ المُعلِّمين لطالما أَظهروا كرم أَخلاقٍ، وهُم سيُظهرون ذلك مُجدَّدًا...