ليس سراً ان الازمة ​الاقتصاد​ية في ​لبنان​ بلغت اوجها في الفترة الاخيرة، وعلى الرغم من ان وباء ​كورونا​ ارجأ التركيز عليها بعض الشيء، الا انّ ذلك لا يعني تلاشيها، لا بل هي حاضرة وتنتظر عند المفترق الاول للانقضاض على اللبنانيين و​الحكومة​ على حدّ سواء. بالامس، عقد اجتماع للدول الداعمة للبنان في ​قصر بعبدا​، وعرضت الافكار والرؤى الاقتصادية والمالية ومشاريع الخطط الكفيلة بمساعدة لبنان على تخطّي ازمته، ولكن بين القول والفعل خيط رفيع يزداد سماكة مع مرور الوقت، وهو امر لا يصبّ في خانة لبنان.

اختصارالصرخة التي اطلقها لبنان تتمثل بكلمة واحدة: انقدونا، فالحاجة اكبر من ايّ وقت مضى للنقد والسيولة بالاموال، لتنطلق عجلة الدوران في ​الحياة​ الاقتصادية والمالية وحتى المعيشية والاجتماعية، ولكن... هناك دول من تلك التي كانت حاضرة، ترغب في ربط المساعدات بشروط سياسية، واخرى بشروط اصلاحية، واخرى تعوّل على نقل لبنان من دوامة اقتصاديّة وماليّة الى دوامة من الخلافات السياسية والانشقاقات الحزبيّة... انّما المشكلة الاكبر كانت في ما لم يعترف به احد بشكل علني، وهو ان وباء كورونا اضعف كل الدول، ولم يعد باستطاعة ايّ دولة التبجّح بقدراتها الماليّة، حتى ​الولايات المتحدة​ الاميركيّة التي كان رئيسها يفخر ويعوّل على "انجازاته" الاقتصاديّة والماليّة وتخفيض نسبة ​البطالة​، اصبح اليوم في موقف حرج وهو سيفضّل-كما غيره من الدول بطبيعة الحال- عدم الدخول في المجهول، والمبادرة الى وضع الخطط والمشاريع الكفيلة باستعادة العافية الى الحياة الداخليّة دون الاخذ بالاعتبار ايّ مصلحة لدول اخرى، اكانت صديقة ام حليفة، ولعل الحديث عن "حرب الكمّامات" يعطي صورة عن مدى الشراسة في الحفاظ على الذات والقدرات الصحيّة، ومندون شك ان "غريزة البقاء" ستنتقل من ​الصحة​ الى الاقتصاد.
على من سيعتمد لبنان لتلقّي الاموال؟ هل على ​فرنسا​ ام على ​اوروبا​ ام على الولايات المتحدة ام على الدول العربيّة؟ كلّهم مشغولون بما اصابهم من كوارث، ويخطّطون لمعرفة الخطوة المقبلة لاستمرار الحياة السياسية لزعماء هذه الدول، فيما الركود قد طاول مختلف القطاعات والانشطة. وهل من يعوّل بعد على مؤتمر "سيدر" وامواله؟ اما التوجه الى ​صندوق النقد الدولي​ فبات اصعب بكثير، كونه سيرتبط حتماً بشروط قاسية جداً قد لا يمكن للبنان تحقيقها، كما انّ الاموال التي يمكن الحصول عليها اصبحت اقلّ بكثير مما هو متوقع، نظراً للظروف التي ذكرناها.
قد يعتبر البعض ان الحلّ هو في التوجّه الى ​الصين​، كونها الوحيدة التي يبدو انها قادرة على تخطّي الازمة اسرع من غيرها من الدول، ولكن العقبات في وجه لبنان لا تزال على حالها، وهي لم تتغيّر بفعل التبدّلات التي شهدها ​العالم​ جرّاء الوباء الكارثي، حتى الحديث عن ​النفط والغاز​ في لبنان وصل الى حدوده الدنيا بفعل عدم الاهتمام.
كل هذا لا يعني انّ العالم قد توقّف، ولكن يجب الاعتراف بأنّ ما حصل ليس سهلاً، وان الدول جميعها، الكبرى والصغرى، تحتاج الى وقت طويل لاعادة التأقلم مع الواقع الجديد واستعادة الحياة الطبيعيّة عند الانتهاء من كابوس كورونا، ولملمة اشلاء الاوضاع الاقتصاديّة والماليّة التي خلّفها. عامل الوقت قد يصلح للكثير من الدول المتطورة، ولكنه لا يصبّ حتماً في خانة الدول النامية او تلك التي هي في طور النموّ، وبالتالي سيزيد الشرخ الحاصل في العالم، فيما سيكون لبنان على موعد مع شروط قاسية عليه تلبيتها لابقاء الامل في استعادته حياته الطبيعية، فهل سيلبّي هذه الشروط؟.