قد لا تعرف معدن الإنسان الا عند المصيبة، هكذا يقول المثل الروسي. ويضيف من اختبر الحياة بقوله انه لا يمكن ان تعرف حقيقة من تحب الا عندما تحتاجه. في زمن ​الكورونا​ تنكشف مواهب الناس، وخصوصاً ان الوسيلة متاحة لإيصال الأفكار والحِكَم من بعض الذين وجدوا في وسائل التواصل الإجتماعي موقعاً لإطلاق فلسفاتهم وأفكارهم الإجتماعية والطبيّة، وكأنهم تخرجوا للتوّ من معاهد الأبحاث في هارفرد، ناهيكم عن تحليلات البعض الآخر الإقتصاديّة في اسواق المال والنقد.

وتظهر الوطنية اليوم بقوّة بعدما كانت تسعى بالأمس على أبواب السفارات للفوز بتأشيرة هروب من ​لبنان​، "البلد اللي ما بينعاش فيه"، بحسب قولهم، فيعودون اليوم يبكون على بلد النور الذي كان يضمن لهم حقّهم في التعليم والطبابة والشيخوخة، لكنهم فضلوا السفر الى وطن جديد للإستجمام مع عائلاتهم.
ان أكثر ما يستفز اللبنانيين المنتشرين في الولايات المتّحدة بعض الناس الذين يتباكون على حياة الرفاهية الإجتماعية التي عاشوها في بلادهم، وهم يفتقدون لها اليوم في ​اميركا​، فكم من المرّات تختنق كلمات الآخرين من الناس في الحلق بسبب المناسبة التي يشاركون فيها،وهي تريد ان تقول: "يا خيي شو عم تعمل هون، ارجع عا لبنان".
ويستفز المنتشرين اليوم مشهد فيديو تتناقله وسائل التواصل عن شاب لبناني يتباكى على نظام لبنان الصحّي، ويمتدح حكومته الجديدة، واصفاً اميركا بالطبل الكبير الذي يعطي صوتا بدون فعل، مبيّناً الفرق الشاسع بين حكومة لبنان اليوم وحكومة اميركا غير القادرة على توفير مليارات الأقنعة و331 مليون جهاز تنفّس وأدوات تطهير لمئات ملايين الناس. حقاً اميركا دولة فاشلة. ويمتدح هذا المغترب اللبناني حكومة لبنان.
الفيديو انتشر، كما تعليقات لبنانيّة إغترابيّة كثيرة راحت تتحدث بسلبيّة عن تخاذل الحكومة الأميركية والرئيس ​دونالد ترامب​ غير القادرين على حلّ أزمة الكورونا المستجدّة. ولكن في المقلب الآخر، هناك لبنانيون أوفياء، لا يتبدّلون ، كالنبيذ الصافي، كلما طال بهم الزمن كلما زادت أصالتهم.
الأمين العام المركزي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم عاطف عيد استنكر بشدة ما يسمعه من بعض اللبنانيين، ممتنّاً للدولة الأميركية وحرصها على الحفاظ على مواطنيها وعلى إيجاد الدواء السريع لوباء الكوفيد 19، وقال: "اللبناني ما بيعجبوا العجب، ان ما تفعله الحكومة الأميركية مع المواطنين العالقين في منازلهم، لا يمكن لأيّ دولة ان تفعله. فالمواطن الذي يدفع ضرائبه، يقبض 1200 دولار شهرياً اليوم. لقد أمطرتنا الحكومة والمؤسسات الحكومية والإجتماعية بوابل من الإتصالات، تعرض فيها خدمات جمّة، من طبابة مجانية، ومأكولات واحتياجات المواطن في هذه الأزمة"
وأضاف عيد: "آسف لأناس غادروا لبنان، في زمنٍ لفظهم فيه وطنهم أيّام الحرب، فوصلوا صفر اليدين، لا مهنة ولا لغة، استضافهم هذا البلد الكريم، فتح لهم أبواب المستقبل، استملكوا منزلاً بالتقسيط المريح، وصارت لهم مهنة، علّموا ابناءهم وتعالجوا على نفقة الدولة". وختم عيد بكلمة وجهها الى ترامب والحكومة الأميركية شاكراً له اهتمامه الكبير بمواطنيه، منوّهاً بخروجه اليومي الى الإعلام كي يتحدث الى الناس عن تطورات ومواجهة الكورونا، واضعاً نفسه مع فريقه الحاكم بخطر، كما وكشف عيد عن مساعدات قامت بارسالها ​الجامعة اللبنانية الثقافية​ في العالم وهي عبارة عن 10 الاف حصة غذائية لأهلنا في لبنان في هذا الزمن العصيب.
من جهته، أكد رئيس المجلس اللبناني الأميركي للديمقراطية إيلي عازار لـ"النشرة"، ان لديه جواب واحد للذين ينتقدون عمل السلطات الأميركية: "اذا مش عاجبتك اميركا، ارجع ع لبنان". وأسف عازار من بعض اللبنانيين الذين لا يعرفون ما معنى الوفاء. فقال: "بفضل هذا البلد المعطاء، استطعنا كمغتربين ناشطين ان نجمع مبلغ وقدره 240 الف دولار، اشترينا به معدّات طبيّة وأرسلناها للجيش ومؤسّسة ​الصليب الأحمر​ والمستشفيات في لبنان. ونحن اليوم في حملة أخرى لجمع المزيد من المساعدات لأهلنا في لبنان. ولولا كرم ودعم هذه الدولة التي فتحت لنا أبواب الرزق والعمل، لما استطعنا ان نقف الى جانب وطننا في هذه المحنة". وختم عازار موجهاً كلمة شكر ووفاء للحكومة الأميركية التي لا تنام في هذه الظروف، وتبذل قصارى جهدها لإيجاد علاج سريع ينهي هذا الكابوس.
بدوره، استنكر مسؤول ​حزب القوات اللبنانية​ في شمال شرق ​الولايات المتحدة​ كميل ساسين تعليقات بعض اللبنانيين: "لقد استفزني كلام اللبناني المقيم في اميركا الذي انتقد فيه الحكومة الأميركية ، ولا جواب له عندي سوى:"إذا لم تعجبك اميركا، فِلّ. ان اميركا التي فتحت لنا ذراعيها واحتضنتنا كأولادها، لا يمكن ان نقول لها فيه هذا الوقت العصيب الا: نحن ابناءك،نقف الى جانبك، وسنتعاون معك لنخرج سوياً منتصرين في معركة الحياة". وأضاف: "نحن على استعداد للتطوّع لأي خدمة تطلبها بلدية منطقتنا، كما ونتمنى الشفاء العاجل للمرضى وان ينتهي هذا الوباء الى غير رجعة".
وختم القنصل الفخري لولاية نيو جرسي جون أبي حبيب رأيه في الموضوع أنه لا يريد التعليق على كلام مواطنٍ لبناني "حرّ في رأيه"، ونوّه "بجهوزية ​الحكومة اللبنانية​ التي واجهت الوباء منذ بداية انتشاره، فأغلقت المطار والمدارس وأوصت بالحجر الصحّي، كما نوّه بمواجهة الحكومة الأميركية لوباء كوفيد19، حيث صرفت المليارات من الدولارات لإيجاد الدواء الشافي كما وضعت موظفيها والطواقم الطبية في خدمة الشعب الأميركي، وهي مشكورة على كل الجهود الجبارة التي تقوم بها للحفاظ على مواطنيها".