بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على وآله الطّاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

عيد الفطر​، هو اليوم المتعقب ​شهر رمضان​ وبحسب التّقويمِ القمريِّ هو اليومُ الأوّلُ من شهرِ شوّال. اتّخذهُ اللهُ تعالى للمسلمينَ يومِ عيدٍ تنويهاً بعظمةِ شهرِ رمضانَ الذي أَنزَلَ اللهُ تعالى فيهِ القرآنَ هدىً للنّاسِ وبيّناتٍ من الهدى والفرقانِ. كما أنِّ شهرَ رمضانَ اشتملَ على ليلةٍ هي ليلةُ القدرِ. وهي ليلةٌ جليلةٌ وعزيزةٌ نزلَ فيها القرآنُ الكريمُ مبيّناً لشرفها كما في قوله تعالى: "فيها يُفْرَقُ كلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إنّا كنّا مُرْسِلينَ" وغيرها من الآياتِ. فيومُ الفطرِ هو اليومُ المتعقّبُ تلكَ المحطّةَ من الزمنِ (شهرُ رمضانَ) بما فيه من العوائدِ العظيمةِ والفوائدِ الكبيرةِ ولِذا اعتُبِرَ يومُ عيدِ الفطرِ يومَ الجوائزِ والعطايا الإلهيّةِ.

الفطرُ يومُ اجتماعٍ وعبادةٍ
قد لاحظت الشريعةُ الغرّاءُ بخصوصِ يومِ الفطرِ أن يكونَ يومَ اجتماعٍ للنّاس بوجهٍ وآخر من وجوهِ الإجتماعِ، وأساسُ هذا الإجتماعِ أن يغدوَ المسلمونَ في بَكورِ فطرِهِمْ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ في الأرض، فيكونُ منهم أن يأتوا مساجدَهم لابسينْ أنظفَ ثيابِهم ومتطيِّبينَ بالعطرِ قد أخذوا شيئاً قليلاً من الحلوى وأفضلُ التّمر، ثمّ يدخلوا مساجدَهُم بخشوعٍ وخضوعٍ ورقّةٍ ولينٍ واستكانةٍ بين يدي اللهِ تعالى، فإذا ما أخذوا أماكنَهُم في مساجدِهِم أو حيث صحروا للصّلاة، اصطفّوا صفوفاً كالبنيانِ المرصوصِ خلفَ إمامِ صلاةٍ عادلٍ تقيٍّ مذكِّرٍ باللهِ وبحقوقِهِ عزَّ إسمُهُ، ومذكّراً المصلّينَ بواجباتِهِم تجاهَ أنفسِهِم وتجاه مجتمعِهِم، فيخاطبُ إمامُ الجماعةِ العادلُ في المصلّينَ خطبتَينِ اثنتينِ، يفصلُ بينهما بجلسةٍ قصيرةٍ، وعلى المصلّينَ أن يسمعوا وينصتوا لكلامِ إمامِ صلاتِهِم العادلِ.
ثمّ بعد ذلك، يقومُ المصلّونَ ليتصافحوا وليتوادّوا وليتراحموا فيما بينهم ويتواصَوْا بالحقِّ ويتواصِوْا بالصّبرِ، ثمّ ينصرفوا عن اجتماعِهِم العامِّ هذا الّذي ملأ نفوسَهُم بالطّمأنينةِ والسّلامِ إلى بقيّةِ وجوهِ الإجتماعِ والصّلةِ، وهي كثيرةٌ:
فمنها صلةُ الرّحمِ وتفقّدُ الأقاربِ والسّؤالُ عن أحوالِهم، وصلتُهم بما أمكنَ من وجوهِ الصّلةِ والتّوادُدِ والتّراحمِ، ولا سيّما صلةُ الرّحمِ الكاشحِ وكذلك صلةُ الجارِ، ولا سيّما القريب منهم اللّصيقَ بالدّارِ، الّذي يجاورُ إلى الجنبِ، فقد أوصى اللهُ تعالى وأوصى رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه والعترةُ الطّاهرةُ بالجارِ، وعلينا أن نتذكّرَ أنّ الفطرَ يتّسمُ بالعفوِ والصّفحِ والتّجاوزِ والمغفرةِ.
ومن تلكَ الصّلاتِ، صلة الأموات ولا سيّما منهم الأرحام، ففي يوم الفطر يذكر المؤمنون أمواتهم بالدّعاء وزيارة قبورهم والصّدقة عنهم، مشعرين أنفسهم بأنّ للسّلف على الخلف الفضل، وأن الميّت انقطع عن العمل والزّيادة في أسباب المغفرة، فيعود عليه الأحياء بهذه الصّلة رحمةً له في غربة التّراب.
ومن تلك الصّلات، وهي صلة فرض وواجب ما اصطلحت عليه الشّريعة الغرّاء بزكاة الفطرة، فيُخرِج الغنيّ من ماله عن نفسه، وعمّن يعولهم مقدار ثلاثة كيلو من الطّعام من أوسط ما يُطعِم نفسه وعياله عن كلّ نفس في عيلولته، ويعهد بها إلى الفقير المُحوِج، أو يدفع إلى الفقير بدل هذا الطّعام مالاً يوازيه في القيمة، مع الأخذ بعين الإعتبار إجراء آداب العطاء والصّدقات والمبرّات في هذه الزّكاة، ومنها حفظ ماء وجه المبذول إليه، وأن يكون متمحّضاً في كونه قربةً إلى اللهِ تعالى.
كما أنّ من الصّلات الرّاجحة المؤكّدة في هذا اليوم أن يذكر المؤمن أولياء النّعمة وسادات الخلق، الّذين امتنّ الله تعالى بهم على العباد مبيّنين لهم شرع ربهم سبحانه وتعالى، والدّالّين العباد على مراضي ربّهم وما به خلاصهم من عقبات الدّنيا والآخرة، ولذلك كان من المؤكّد عليه أن يذكر المؤمنُ المبعوثَ بالرّسالة الخاتمة رسولَ الرّحمة محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله ويذكر آله الطّاهرين.
وبذلك نرى أنّ يوم عيد الفطر هو يوم اجتماعٍ وصلاتٍ وعبادةٍ وتراحمٍ.

حرمة يوم الفطر
من المؤكّد عليه لزوم الإهتمام بأيّام الأعياد عموماً فإنّها لم تُتَّخذ إلّا لمناسبات جليلة عظيمة، ففي تاريخ الدّيانة السّماويّة بشكل عام، إنّما اتُّخذَت الأعياد لوقائع جرت في حياة مجتمعات أهل الدّيانة، أو أنّ الله تعالى أراد أن ينبّه بعظمة زمان خاصّ او مكان خاصّ او حدث خاصّ، فكانت الأعياد أيّاماً مرتبطة بوقائع في حياة مجتمع أهل الدّيانة، هذا ما تفيده النّظرة في اتّخاذ الأعياد لدى الدّيانة السّماويّة، ويؤكّد ذلك ما ذكره ​القرآن الكريم​ عن قضيّة المائدة السّماويّة، الّتي أجاب الله تعالى نبيّه عيسى إليها عن طلب الحواريّين.
قال تعالى: "قال عيسى بن مريم اللهمّ ربَّنا أنزِل علينا مائدةً من السّماء تكون لنا عيدا لأوّلنا وآخرنا وآيةً منك".
وبهذا الاعتبار ولكون الحدث حدثاً عظيماً في تاريخ الدّيانة اتّخذ هذا اليوم يوم حرمة ويوم تعظيم ويوم مسؤوليّة، لذا قال تعالى عقيب إنزال المائدة واتّخاذ يومها يوم عيد:"قال إنّي منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحداً من العالمين".
لأجل ذلك نحن نعتقد بأنّ أيّام الأعياد الّتي اتّخذتها الدّيانة السّماويّة ذات حرمة لا يصحّ الإستخفاف بها وعلى المؤمن أن يراعي جانبها كما أمر الله سبحانه تعالى.
وقد ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام بشأن عيد الفطر: إنّما جُعِل عيد الفطر العيدَ ليكون للمسلمين مجتمعاً يجتمعون فيه ويبرزون لله عزّ وجلّ فيمجّدونه على ما منّ عليهم فيكون يوم عيد ويوم اجتماع ويوم فطر ويوم زكاة ويوم رغبة ويوم تضرّع ولأنّه أوّل يوم من السّنة يحلّ فيه الأكل والشّرب.