طرحت المواجهات العنيفة التي تشهدها عشرات المدن في الولاياتالمتحدة الأميركية، على خلفية جريمة قتل الشرطة للمواطن الأميركيجورج فلويد من ذوي البشرة السمراء… طرحت السؤال عما إذا كانتالإمبراطورية الأميركيّة المتصّدعة قد دخلت فعلياً مرحلة الأفول،وخطر تفكّك الاتحاد الفيدرالي الذي تتشكّل منه الولايات المتحدةالأميركيّة. وتمزّق وحدة مجتمعها.. هذا السؤال ينطلق من حقيقةتقول، إنّ عناصر القوة التي كانت في أساس تماسك الولايات المتحدة،اتحاداً ومجتمعاً، وتقدّم ما سُمّي بالحلم الأميركي، قد انتهت ولم تعدقائمة.. وهذه العناصر هي:


أولاً، تلاشي مرحلة ازدهار الاقتصاد الأميركي ومعدلات النمو المرتفعةالتي كان يحققها وتؤمّن فرص العمل ومستوى دخل مرتفع وقدرةشرائية كبيرة للأميركيين، وحلّ مكانها أزمة اقتصادية عنيفة تراجعتمعها معدلات النمو والدخل المرتفعة والقدرة الشرائية، في ظلّ ارتفاعمهول في حجم الدين العام الذي بلغ عتبة الـ 25 تريليون دولار، فيماالعجز في الميزانية وصل إلى تريليون دولار.. وقد أدى ظهور فايروسكورونا وتعرّض أميركا لكارثة نتيجة انتشاره الواسع فيها وارتفاع عددالإصابات والوفيات، أدّى إلى شلل الاقتصاد وبالتالي كساد الإنتاجوخسائر بمئات المليارات الدولارات…


ثانيا، انتهاء مرحلة الاستقرار الاجتماعي، حيث بات عدم الاستقرار هوالمسيطر بسبب تزايد الفقر وانتشار البطالة حيث بلغ عدد العاطلين عنالعمل اكثر من 40 مليون أميركي وهو رقم كبير جداً، نسبة لتعدادالسكان، في حين يفتقد الأميركيون للضمانات الاجتماعية والصحيةوالتي عمقت الأزمة الاجتماعية وزادت من حدتها وكشفت الطبيعةالمتوحشة للنظام الرأسمالي النيوليبرالي الأميركي الفاقد للقيمالإنسانية والعدالة الاجتماعية وعجزه عن مواجهة تفشي فايروسكورونا..


ثالثاً، تراجع قيم المساواة والعدالة والحرية، التي تقدّمت نسبياً فيمرحلة الازدهار الاقتصاد والبحبوحة، لتحلّ مكانها سياسات التمييزالعنصري المتجذرة في النظام الأميركي منذ مئات السنين، والتي يغذّيهاخطاب عنصري متعجرف ومتغطرس للرئيس دونالد ترامب يصفالمحتجين على سياسات التمييز وعنف الشرطة بـ «المتطرفينوالرعاع»، كما يغذّيها ممارسات الشرطة الوحشية في تنفيذ عملياتالقمع والتنكيل ضدّ المواطنين السود، وصولاً إلى قتل من تستطيع منهمبدم بارد على غرار ما حصل مع جورج فلويد.. في انتهاك سافر لحقوقالإنسان .. الذي يدّعي، زيفاً، النظام الأميركي الدفاع عنها في العالم،ويفرض العقوبات الاقتصادية على الدول بحجة حماية المدنيين..والحريات العامة وحق التظاهر إلخ…


ويبدو من الواضح أنّ هذه الأزمات العاصفة في الولايات المتحدة،تكمن وراء تفجر الاحتجاجات على نطاق واسع، تتزامن أيضاً معتطورات عالمية تضعف من هيمنة القوة الأميركيّة وهيّبتها وسطوتها..وهي تتمثّل بشكل أساسي في..


1 – اشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية للاقتصاد الأميركي نتيجةانتقال مركز الثقل في الاقتصاد العالمي من الغرب الشرق.. وعدم قدرةالولايات المتحدة على منع هذا التحوّل بفعل نشوء موازين قوىعسكرية عالمية، والتداخل في الاقتصاد العالمي، ونجاح القوىالصاعدة اقتصادياً في الوصول إلى المعرفة وامتلاك التكنولوجيا وكسراحتكارها من قبل أميركا والدول الغربية..


2 – فشل الحروب الأميركية المباشرة وغير المباشرة في تحقيقأهدافها في السيطرة على أفغانستان والعراق وسورية واليمن، وفيإخضاع إيران أو إحداث تغيير في نظامها الثوري التحرري المستقلّ..


3 – نجاح الدول الرافضة للهيّمنة الاستعماريّة الأميركيّة في كسرهيمنة أميركا في البحار والمضائق التجارية الحيوية، وظهر ذلك منخلال كسر إيران للحصار الأميركي بإرسال ناقلات نفطها إلى فنزويلاوالصين وفرض معادلاتها الردعية في البحار ومضيق هرمز وبحر العربفي مواجهة القوّة الأميركيّة، وكذلك ردع القرصنة البريطانية فيمضيق جبل طارق، في حين نجحت الصين في منع أميركا من التحكمبالملاحة في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملَقا الذي يعبر منه نصفإمدادات النفط والحركة التجارية الدولية..


انطلاقا من ذلك يمكن القول إنّ الأزمة الداخلية الأميركيّة يغذّيها تفاقمأزمة الإمبراطورية الأميركية المتراجعة في العالم.. وهي أزمة كشفتتراجع الدور الأميركي العالمي، والذي تجسّد أخيراً في عجز واشنطنعن الإسهام في إدارة الحرب العالمية في مواجهة كورونا، وانكشافهذا العجز أيضاً في الداخل الأميركي..


هذا العجز في الخارج والداخل هو الذي دفع الصحافة الأميركيّةوالعالميّة إلى القول بأنّ ترامب لا يملك سياسة متماسكة، وانه يثيرالانقسام في المجتمع الأميركي، وأن الاحتجاجات كشفت المرضالمزمن الذي تعاني منه أميركا منذ فترة طويلة، وهو مرض تَجذر«فايروس العنصرية» في النظام الأميركي الذي يرفض ترامب معالجته،بل إنه يصبّ الزيت على نار الاحتجاجات..


وما يجعل الأمر مختلفاً هذه المرة واحتمال أن يدخل أميركا في الفوضى والأزمة المفتوحة، إنّ هذا العنف العنصري الذي يمارسه النظام الأميركي، يترافق مع أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة في حدّتها وعمقها، في ظلّ رئيس غير عقلاني ومتعجرف لا يتوانى عن فعل أيّ شيء لأجل الفوز بالانتخابات، والذهاب بعيداً في هجومه العنصري ضدّ الأميركيين السود لكسب تأييد الأميركيين البيض باعتبارهم الكتلة الناخبة الأكبر..