منذ ان انتصرت ​أميركا​ في الحرب ​العالم​ية الثانية،سارعت إلى فرض شبهوصاية واحتلال واقعي على أوروباوسعت إلى الهيمنة على كل المعمورة ونصبت نفسها قائدة للعالم،معتقدة ان"الله اختارها لتقوم بهذه الوظيفة " من اجل " نشر الحرية والديمقراطية “بين الدول والشعوب،ورفعت شعار "حقوق الأنسان " إلى الحد الذي أجازت لنفسها ان تتدخل وتعاقب كل من تتهمه بانه خرق هذه المبادئ وأهدر ​سلامة​ او كرامة مواطنيه. متناسيةأنها دولة قامت في الأصلعلى الفتل و​الاغتصاب​ والإبادة والتهجير...

ومن المفيد التذكير هنا ان ما يطلق عليه اليوم اسم ​الولايات المتحدة الأميركية​ هي نتاج عمليات متلاحقة بدأت بعد اكتشاف الأرض بهجرةالأوربيين البيض اليها،وانتهت بإقامة ​الدولة​ الحالية بعد الإبادة التي تعرض لها سكان البلاد الأصليين (أسموهم ​الهنود الحمر​ ظنا منهمبانالأرضالمكتشفةهيالهندذات السكانذويالبشرةالتي تميلإلىالحمرة)إبادة رافقها نقل او استقدام افارقة من ذوي البشرة السمراء او السوداء ليكونوا عمالا وخدما لهم في مزارعهم وحقولهم.وهكذا نشأت الشخصية الأميركيةوتجذرت فيها النزعة ​العنصرية​ التي تجعل من الأبيض سيدا والأسود عبداوالأحمر شخصا لا يستحق ​الحياة​. وان اهم وأخطر ما في الشخصية الأميركية نزعتان داخلية قائمة على العنصريةوالتمييز بينالمواطنين،وفوقية تسلطية قائمة على النزعة الاستعمارية والهيمنة على الشعوب والدول الأجنبية. نزعتان تحكمتا بسلوك أميركا منذ نشأتها ولا زالتا تتحكمان بسياستها وسلوكها داخلياوخارجيا.
بيد ان ​سياسة​ التمييز العنصري في الداخل كانت تواجه بين الحقبة والحقبة باحتجاجاتوأعمال رفض تصل إلى حدود ​الثورة​ وتتوصل فيبعضالأحيانإلى انتزاع قدر من الحقوق لغير البيض لكنها لم تصل حتى اليوم إلى انتزاع الحق بالمساواة بين المواطنين وبقي التمييز العنصري قائما رغم تشدق حكومةالولايات المتحدة الأميركيةبحقوق الأنسانوعلى سبيل المثال نجد ان السود الذين يصل عددهم اليوم في أميركاإلى 18 السكان ليس لهم في الوظائف العامة أكثر من 120 وليس لهمألا 2من 100 من مجلس الشيوخ و10% من النواب. أماالأخطر فليس ما يظهر في الوظائف أنما ما يكمن في نفوس البيض ضد السود من نظرة فوقية و ازدراء و اتهام بالكسل و البلاهة ما يجعل العلاقة بين الطرفين غير ودية و غير سليمة في اكثر الأحيانو اكثر ما تجلى مؤخرا نموذجعن هذا الأمر ما جاء على لسان ​ترامب​ عندما كال الاتهامات و التشنيع ضد أوباماو سلوكه و هو سلفه في رئاسة الدولة و هي اتهامات تنضح منها العنصرية بأبشع صورها .أماالمثل الأخيرالأبشعالراهن للعنصرية الأميركية فقد ظهر في الوحشية التي اقدم فيها شرطي ابيض على خنق مواطن اسود حتى الموت في مشهد شديد الإيلام مثير للاسى و الحزن المصحوب بالغضب و الاستنكار رفضا لهذه الوحشية .
وفي مفعول تراكمي أدت جريمة الشرطي الأبيضإلىإطلاق موجة من ​الاحتجاجات​ الشعبية ضد التمييز العنصري وضد أداء السلطات المحلية والمركزية التي كان ​فيروس كورونا​ قد فضح عجزها وتقصيرها واظهر وهن النظام الصحي المعتمد في أميركا فضلا عن الخفة والسطحية التي عالج بها المسؤولون بدءا من ترامب،الوباء على صعيد أميركا كلها ما أدىإلىإصابةما يكاد يلامس المليوني شخص من أصل 6ملايين مصاب في كل العالم ووفاة أكثر من 100 ألف من أصل 370 في كل العالم.وبات السؤال المطروح الأن هل يتحول ​جورج فلويد​ (المواطن من أصلأفريقي الذي خنقه الشرطي الأبيض)إلى بوعزيزي أميركاوتتحول مدينةمنيابوليس الأميركيةإلى مهد للربيع الأميركي كما كانت مدينة سيدي بوزيد التونسية مهدا لما اسمي ​ربيع عربي​ وظهر انه الحريق العربي؟ سؤال جدير بالطرح والاهتمام خاصةإذا عرجنا على أكثر من ملف وموضوع تتخبط فيه أميركاوتحصد منها نتائج سلبية.
بالعودة إلى واقع الحال الأميركي دوليا فأننا نجد ان أميركا تعاني اليوم من فشل وإخفاق وهزائم في الخارج لا تحجبها المكابرة ولا يمكنلأعلام او حرب نفسية إخفاؤها،وتعاني من صعوبات في الداخل لا يمكن لاحد ان يتجاوزهاولا يمكن لمليارات الدولارات التي سلبتها ن الخليج ان تحجبها،فاذا جمع حصاد الخارج السيءإلىأوضاع الداخل السلبية كان من المنطقي ان يطرح السؤالالملح “أميركاإلى أين؟" وكيف سيكون وضعها كدولة متحدة وكيف سيكون موقعها في العالم؟ لأنه من الطبيعي ان يفكر المراقب بان الهزائم والاضطرابات لابد ان تلقي بظلها الثقيل على الكيان ودوره لهذا يبرر طرح السؤال حول مصير أميركاالذي بات تحت علامة استفهام؟
قبل الإجابة نعود للتوقف عند الهزائم الأميركية في الخارج والتي تسببت في تأكل الهيبة الأميركيةوتراجع قوة الردع الأميركي نتيجة فشل أميركا في أكثر من ملف في طليعتها عدوانها على دول و شعوب ​الشرق الأوسط​ خاصة ​العراق​ وسورية و​اليمن​،وعجزها رغم الحروب المتعددة الأنواعالتي شنتها و تشنها من عسكرية إلىإرهابيةإلى نفسية إلى اقتصادية وسياسية، رغم كل ذلك لم تستطع أسقاط محور ​المقاومة​ الذي وجه لها مؤخرا صفعة قاسية في قاعدة عين الأسدصفعة أنزلتها ​صواريخ​ إيرانالبالستية، وركلة مؤلمة في ​فنزويلا​ حملتها ناقلات ​النفط​ الإيراني. صفعة وركلة كانت قد سبقتهما سلسلة من الهزائم الميدانية بدءا من ​حرب 2006​ في ​لبنان​ وصولا إلى سورية واليمن ومرورا بالعراق بحيث باتت أميركا تضع في راس أولوياتهااليوم البحث عن انسحاب امن من المنطقة يحفظ ماء الوجه.
أما على الجبهة مع ​الصين​ فان أميركا تحصد مزيدا من الإخفاق مع كل موقف تطلقه مهددة الصين بشي ما،وبات من المسلم به ان الصين تفعل وتتقدم وان أميركا تصرخ وتتراجع ولن يكون ​المستقبل​ ألاحاملالأخبار اشد سوءا لأميركا مما مضى على الصعيد ​الاقتصاد​ي وسيكون امروأدهى إذا فكرت أميركا بالمواجهة العسكرية حيث يؤكد الخبراء الأميركيون ان هزيمة استراتيجية عظيمة تنتظر أميركا إذا حاربت الصين عسكريا.
وعلى صعيد العلاقات مع ​روسيا​ فقد بات من المتوافق عليه ان كل الحصار والتهميش الذي فرضته أميركا على روسيا ذهب أدراج الرياح مع تقدم الأخيرة من الباب السوري لتحتل موقعا متقدما على الساحة الدولية مكنها وبدون خوفان تمارس حق الفيتو في ​مجلس الأمن​ دون خشية من أميركا كما مكنها من تقديم المساعدة العسكرية للحكومة السورية لأفشال العدوان الإرهابيعليها المدعوم أميركيا.
يبقى ان نذكر بحال العزلة الدولية التي أوقعتأميركا-ترامب نفسهافيها بخروجها من أكثر اتفاق او معاهدة دولية وتنكرها لقرارات مجلس الأمنوتصرفها خلافا لقواعد الدولي العام.
أما في الداخل فان اهم و اخطر ما توجهه أميركاالأن هو تلك الاضطرابات التي نرى ان اطلاق اسم " الربيع الأميركي " عليها اسوه بالتسمية الأميركية لما حصل في الشرق الأوسط و اسمي ب"​الربيع العربي​" هي تسمية معقولة ، هذه الاضطرابات و الاحتجاجات التي تكاد تلامس الثورة والتي يرافقها النهب و الإحراق و السرقة و القتل و التي تمددت الأن خارج مينابولس( موقع الجريمة و مهد الاضطرابات ) لتصل إلى 19 ولاية و لازالت قيد التوسع إلى درجة التخوف من شمولها كل الولايات الأميركية ال 50 ما شكل خطرا جديا باتت ​الحكومة الأميركية​ تخشاه فعليا جعلها تلجا إلى فرض إعلانالتعبئة في بعض الولايات و الاستعانة بالحرس الوطني و ​الجيش​ في ولايات أخرى ، و باتت كلها تشكل نذر شؤم على أميركا لا يعرف إلىأين ستودي بالنظام الأميركي الذي يعاني كثيرا أمام تراجع الاقتصاد وتفشي ​البطالة​ وإفلاس الشركاتواشتداد الغضبالشعبي دون ان ننسى وجود نزعات انفصالية لدى بعض الولايات .
ان تراكم هزائم الخارج خاصة بوجه محور المقاومة والصين وروسيا كما تقدم،مع التخبط والفشل في الداخل والمعبر عنه بالفشل في معالجة ازمه كورونا وتفشي البطالةإلى حد بات فيه 40 مليون أميركي عاطل عن العمل وإفلاس شركاتوأقفال أخرى بما ينذر بوضع اقتصادي صعب يفاقم العثرات الاجتماعية ثم ​انفجار​ الغضب الشعبي إلى حد الوصول إلىالبيتالأبيضواجتياز الحاجزالأمنيالأول أمامه ما اقلق ترامب ودفعه إلى الاختباء في طوابق تحت الأرضوغموض الرؤية في معالجة الأحداث، كلها مسائل تبرر السؤال هل ان كيان الولايات المتحدة الأميركية في خطر؟وهل ان وحدتها مهددة؟وهلسيتأثر موقعها دوليا بكل هذ الأحداث؟
أسئلة جدية لا بد من طرحهافي ظل ما نسمع ونقرا ونراقب؟ويضاف السؤالالأخر هل ستشرب أميركا من كاس ربيعي أميركي خاص بها كما سقت شعوب الشرق الأوسط مما أسمته ربيعا وكان حريقا التهم الأخضرواليابس؟ نعتقد بذلك ... وعلى أي حال ان أميركا بعد الهزائم الخارجية والانفجارات والعثرات الداخلية لن تكون هي أميركا التي تسيطر على العالم هذا إذا بقيت موحدة وهو امر نشك به.