باتت قضية التجديد لقوات الطوارىء الدولية العاملة في ​الجنوب​ "​اليونيفيل​"، كقصة ابريق الزيت التي يتخذها الناس عبرة عند الحديث عن موضوع يتكرر بشكل دائم. وما يلبث ان يمرّ عام بعد آخر، حتى تطفو هذه القضية على سطح ​المياه​ ال​لبنان​ية ك​غواصة​ تقضي وقتها تحت الماء قبل ان تطفو لمرة واحدة بعدها ثم تعود الى مكانها البعيد عن الانظار. لا احد يذكر "اليونيفيل" الا في ثلاث حالات: عند حصول اعتداءات برية او بحرية او خرق للحدود، وعند حصول اشكالات مع الاهالي في مناطق وقرى جنوبية، وعند الحديث عن التجديد لعملها وطبيعته. الحالة الثالثة هي الاكثر تداولاً في زمن قصير، فالحالتين الباقيتين لا تحظيان باهتمام كبير لان معالجتهما تبقى محصورة، اما التجديد فمسؤوليّته دولية وعلى عاتق الدول الكبرى والصغرى معاً (ولو ان القرار يبقى في يد دول القرار حصراً). ها نحن اليوم في حضرة هذه الحالة، وها هي احتمالات عدم التجديد لهذه ​القوات​ او تغيير طبيعة عملها لتكون اكثر قوة مع صلاحيات اوسع في القسم اللبناني، تحضر بقوة في سوق ​الاخبار​، ووفق العرض والطلب وفق اهواء الخط السياسي لكل شخص.

لكن الحاجة باتت ملحة لتغيير هذه ​القاعدة​ التي اصابت الناس بالملل، ولم تعد تحمل معها اي تشويق او اثارة او "حبس انفاس"، فالنتيجة معروفة كقصة ابريق الزيت، وسيتم التجديد لـ"اليونيفيل" وفق الشروط والقواعد نفسها التي عملت في ظلها منذ العام 2006، وحتى لو اعتبر البعض انه يجب احداث تغييرات في مكان ما في طبيعة هذ العمل، فهو يدرك تماماً بأن الوقت الحالي لا يصلح لمثل هذا الامر، وسيكون من الافضل والاضمن ارجاء اي بحث جديد في هذه المسألة الى ان تنتهي بعض المسائل الملحة التي يتعاطى معها ​العالم​ اليوم. ليس هناك من داعٍ ضروري او مستجد بشكل طارىء لبحث امكان احداث تغييرات في عمل القوات الدولية، فالهدوء قائم، والتهديدات الاعلامية التي تطلق ليست بجديدة ولم تؤد يوماً الى اندلاع اشتباكات او حرب، اضافة الى ان ليس هناك اي بلد معني بهذه القوات، يرغب في اضفاء صلاحيات جديدة او توسيع تلك القائمة لان هذا يعني دون شك وقوع خطر اكبر على الجنود الذين ينتمون للبلد المعني وغيره من البلدان المشاركة، فمن مستعد في هذا الوقت لتحمّل وزر مثل هذا الامر امام شعبه؟ ناهيك عن ان لبنان ليس في وارد الدخول في مواجهة عسكرية مع ​اسرائيل​، ولا الاخيرة قادرة على غضّ النظر عن مشاكلها الداخلية والمتاعب العسكرية الممكن ان تتأتى من اي مواجهة محتملة مع اي طرف (فلسطيني او لبناني) للدخول في حرب كبيرة لا يعرف احد كيف ستنتهي.
وفي ظل المشاكل الصحية والسياسية والاجتماعية الكبيرة التي تعاني منها كل دول العالم دون استثاء، هل يعتقد احد انه من المنطقي التفكير بأن هذه البلدان تتعجل طرح مسألة بهذه الاهمية في هذا الظرف تحديداً، ومع العلم المسبق بأن ليس هناك اي خطر آني لاندلاع اشتباكات او مواجهات بين الطرفين المعنيين؟ وفي حالّ تم تخطّي كل العقبات الدبلوماسيّة والسّياسية، فإن كلفة المواجهات ليست قليلة، فمن الذي سيتكفّل بالتمويل، مع معاناة كل الدول بما فيها الدول العربيّة الخليجيّة والدول الاوروبيّة و​اميركا​، من ازمة اقتصادية خانقة انعكست كوارث اجتماعيّة على الوضع الداخلي؟.
ان موقف لبنان معروف من الامر، وهو التجديد للقوات الدولية مثل ما درجت عليه العادة، وانه مستعد للتعاون معها لضمان الامن والاستقرار والهدوء، فيما موقف اسرائيل معروف ايضاً لجهة رضاها عن عدم انزعاجها من هذه القوات التي لا تتدخل في عملها خارج لبنان وداخله، وسيبقى موقف الدول الغربية على حاله لجهة "ابداء القلق" من شناطات ​حزب الله​ وتأثير ما يقوم به على الاستقرار والهدوء القائم، ليخلص الوضع الى التجديد دون تغيير، وتعود "الغوّاصة الدوليّة" للاختفاء تحت الماء لفترة غير قصيرة من الزمن.