يبدو أَنَّ طريق الحرير سيكون ناشطًا، بشتَّى أَنواع القوافل، التِّجاريَّة منها كما والسِّياسيَّة!. ولا عجب إِنْ أَنْت رأَيْت هذا الطَّريق، يُزاحم خطّ الشَّام–بيروت، في عزّ الوصاية السُّوريَّة على ​لبنان​، أَيَّام الحرب اللُّبنانيَّة المَشؤُومة وما بعدها... ولكنَّه سينشط هذه المرَّة في زمن السِّلم الافتراضيّ في لُبنان!.

و"طريق الحرير الجديد"، تهدف مِن خلاله الصِّين، إِلى التّسويق للمُبادرة الَّتي ستجعلها محورًا للعلاقات ​الاقتصاد​يَّة ​العالم​يَّة، بعدما "ركَّت" الولايات المُتّحدة الأَميركيّة، في الآونة الأَخيرة، وبخاصّةٍ بعد وصول الرّئيس ​دونالد ترامب​ إلى السُّدّة الرّئاسيّة، على ​سياسة​ العصا فقط، دون الحاجة منها إِلى الجزرة!. لذا فبكين و​واشنطن​ تتوجّهان الآن إِلى دُول العالم بلُغتين مختلفتَين، لا يقتصر الاختلاف بينهما على الصِّينيَّة والانكليزيّة، بل ويتجاوز ذلك إِلى نهجَين في السّياسة لا يلتقيان!.
ويُعرف المشروع الصِّينيُّ رسميًّا باسم "الحزام والطّريق"، وهو مبادرة صينيَّة قامت على أَنقاض طريق الحرير القديم. ويهدف المشروع إِلى ربط الصّين بالعالم، عبر استثمار مليارات الدّولارات في البُنى التّحتيّة، على طول طريق الحرير، الَّذي يربطها بالقارَّة الأُوروبيّة، ليكون بذلك أكبر مشروع بنية تحتيّة في تاريخ البشريّة، ويشمل بناء مرافئ وطرق وسكك حديديّة ومناطق صناعيّة.
والطّريق الجديد، مشروعٌ عملاقٌ تشارك فيه 123 دولة، تريد الصّين من خلاله، تسريع وصول مُنتجاتها إِلى الأَسواق العالميّة، بما في ذلك آسيا وأُوروبا وأَفريقيا و​أميركا الجنوبية​ والوسطى. ويُغطّي المشروع 66 دولة في ثلاث قارات، هي: آسيا وأُوروبا وأَفريقيا، وينقسم إلى ثلاثة مستويات، تشمل مناطق محوريّة ومناطق للتّوسُّع ومناطق فرعيّة.
وخِلافًا للولايات المُتّحدة، تسير الصّين في سرعةٍ كبيرةٍ، كي تُصبح "الإِمبراطوريَّة التّجاريّة اﻷَكبر في العالم"، فيما تُعدّ مُبادرة "الحزام والطّريق" مُنطلقًا صينيًّا لإعادة تشكيل الاقتصاد العالميّ!.
وفي المقابل، يبدو وكأَنَّ الولايات المُتَّحدة الأَميركيَّة قد وضعت -في عهد ترامب- نظريّة "الواقعيَّة السِّياسيَّة" في الثَّلاَّجة، واتَّجهت إِلى سياسةٍ صارمةٍ في علاقاتها مع مُختلف دول العالم، وضمنًا الصِّين.
وكأَنّ الصِّين والولايات المتّحدة، يرقصان معًا رقصة "التَّانغو"، على السَّاحة الدَّوليَّة: بكين تخطو خطوةً إِلى الأَمام عبر مُبادرة "الحِزام والطَّريق"، وواشنطن تدفع بنفسها خطوةً إِلى الوراء عبر وضعها "السِّياسة الواقعيَّة" على الرَّف، وهي ما عادت تعتمدها كالسَّابق حيث كانت هذه النَّظريَّة إِحدى وسائل التَّحليل الكُلِّي للمسائل الدَّوليّة العالقة، في حين أَنَّ نظريّتَي "اتّخاذ القرار والمُبادرة"، تندرجان في إِطار التَّحليل الجُزئيّ للأَزمات الدَّوليَّة!. وتنطلق الواقعيَّة السِّياسيَّة من أَنَّ الإِنسان قادرٌ وقابلٌ للقيام بالأَعمال الخطرة والشّرِّيرة، وأَنَّ السِّياسة الدَّوليَّة لا يمكن إِلاَّ أَن تكون على صورة العلاقات بين الكائنات الإِنسانيَّة. ولا يحدّها إِلاَّ سياسات التَّوازن الَّتي تُضعف الميل إِلى الأَنانيَّات. فأَين السِّياسة الأَميركيَّة اليوم من ذلك؟.
وعليه فإِنَّ "الحزام والطَّريق" بمثابة مشروعٍ دوليٍّ واعدٍ، ومقاربةٍ جديدةٍ في العلاقات الدّوليّة المُحتاجة إِلى ترميم!. غير أَنَّ الوضع في لبنان سيكون أَكثر صُعُوبةً، فالحُكومة عندنا الآن قد تكون عاجزةً عن نقل البلاد من ضفّة "الويستيرن" إِلى حزام الأَمان!. وأَمّا كلمة السِّرّ فهي: إِلى الصِّين درّ!.