«قل لمن يبكي على رسم درس واقفاً ما ضرَّ لو كان جلس؟»

أبو نواس


ليس صحيحاً أن التاريخ يرتبط بمقولات أو شعارات لا تتغيّر، وبالتأكيد فإن التاريخ لا يعير اهتمامه للمعادلات والفرضيات، يعني ببساطة أن حركة التاريخ لا يهمّها تأكيد أو نقض نظرية أو معادلة، لأن التاريخ هو حركة دينامية متعددة العناصر، قد تجعل أي فرضية أو معادلة مسألة بائدة وغير قابلة للتطبيق، وحتى أنها قد تتحول إلى ضرر بالكامل عندما يسير الزمن بعكس معطياتها.



في أواسط القرن العشرين وضع فيلسوف الاقتصاد الكبير جوزف شومبيتر مبدأ «التدمير المبدع»، وهو مبدأ اكتشفه عن طريق الملاحظة التاريخية، على مختلف المستويات الاجتماعية والعلمية والسياسية والفنية. يقول المبدأ إن أي إبداع أو نظرية أو معادلة، مهما كان دورها أو نفعها في فترة من الزمن، فإنها ستفقد أهميتها بتغيير المعطيات التي أوجبت وجودها. لا بل إن هذا المعادلة من الواجب تدميرها لكون العناد في تطبيقها في غير وقتها، سيؤدي حتماً إلى الأذية.


في خطاب حسن نصر الله الأخير جملة من المعادلات البائدات، بعضها مجرد نكد لا يؤدي إلى أي نفع، وبعضها الآخر لا يستند إلى أي معطيات حقيقية، والنذر اليسير منها استند إلى أسطورة سميت ثالوثاً هو الجيش والشعب والمقاومة، كانت حاجة ملحة لتسويغ الشواذ في وقت من الأوقات، لكن الزمن تجاوزها بالكامل.


المعادلة النكدية هي قوله بأنه طالما أن هناك من يفرض علينا الجوع مقابل السلاح، فإننا سنقتله. ولم يقل أنه لن يجوع، بل أنه سيجوع لمجرد نكاية من فرض العقوبات عليه وعلى البلد الذي يحتله بقوة السلاح. والحل المقترح، ولو نظرياً، هو بالذهاب نحو الحرب المفتوحة، حسب الخارطة الذي يوزعها إعلامه الحربي عن مواقع العدو التي سيستهدفها. يعني استدراج العدو إلى حرب مفتوحة؟ أي علاج الجوع بالمزيد من الجوع مع الموت والدمار. وهنا، فقد يكون القائد وأعوانه يسعون لهكذا مآل، ربما لقناعات عقائدية أو أسطورية، لكن النكد هو في الإصرار على تحميل الناس جميعاً تبعات الخيارات الشخصية له ولجماعته.


ولكن ما لنا والهزل في هذا المجال، فكلام نصر الله هو كلام مسؤول وعلينا أخذه على محمل الجد بالرغم من غرابته. لكنه أمر طبيعي لمن يفتقد إلى خيار الحلول المفتوحة على الممكن بدل التمترس وراء مبدأ «عليّ وعلى أعدائي». والخيار الممكن موجود حتى ولو تجاهله نصر الله، وأبى أن يسمعه أنصاره. وهذا الخيار مبني تماماً على فكرة شومبيتر بأن المنظومات التي تنجح في يوم من الأيام، قد لا تكون نافعة في مراحل مختلفة. وهنا يكمن الفرق بين ليونة الخيارات ذات الطابع المنفتح على المتغيرات، وتصخر الخيارات المركونة في زاوية مظلمة من الأوهام والتاريخ والأساطير.


قد يتحفنا القائد العظيم باقتراحات اقتصادية، أو يوحي بأن القضية محصورة بكون أمريكا تحجب العملة المعبودة اليوم، التي يصطف آلاف اللبنانيين أمام مكاتب الصيارفة للتعبد لها. لكن المؤكد هو أنه إما جاهل بشؤون الاقتصاد والمال، أو هو عالم ويحاول ذر الرماد في العيون عن الحقيقة الوحيدة اليوم. هذه الحقيقة هي أن على القائد، وربما على من يقوده في طهران، قراءة كتاب شومبيتر الذي طبع سنة 1949، ويأخذوا منه العبرة هي أن أسطورة امبراطورية الولي الفقيه، وحلم الهيمنة والسيطرة، لم يعودوا قادرين على مواجهة الواقع. الحل هو بالاعتراف بزوال مفعول هذه الأسطورة والعودة إلى تفاهمات جديدة مبنية على ما هو مفيد.


لا أريد أن أفترض بهذا بأن الولايات المتحدة الأميركية هي جمعية خيرية تسعى لخدمة البشرية، ولكن في المقابل، فلم نر أي أثر لجمعيات خيرية لا في الصين ولا في روسيا ولا في أيران ولا في تركيا ولا في نظام الأسد الآب والإبن، وبالطبع على الغرار ذاته فالعدو الإسرائيلي ليس داعية سلام. يعني أن جل ما يجب أن نسعى إليه اليوم، وبالرغم من النكسات المتكررة، هو شيء يشبه إعلان بعبدا، يصدره مكتب رئيس الجمهورية قبل اللقاء المقترح، ليكون قاعدة انطلاق للمؤتمر. ومن بعدها يقرر الفرقاء المدعوون مدى جدية اللقاء وأهميته.


أما ما نراه اليوم فهو مجرد محاولة لتغطية الفشل الوطني بإجماع وطني، أو بالأحرى تغطية فشل العهد بجمع اللبنانيين وإعطائهم جرعة أمل، بتوزيع الفشل على اللا أحد، وإعفاء «حزب الله» من جديد من عبء قرار تاريخي وطني يعلن فيه أنه قرّر بشكل إبداعي، تدمير الوهم الذي يحيا به وفيه.


أما المعادلات الأسطورية التي تتحدث عن المقاومة، فبالرغم من إشكالية استعمال تعبير مقاومة وكأنه وثن وجب الخضوع له بغض النظر عن مضمونه، فإن مجرد ذكر كلمة مقاومة اليوم أمام الكثير من اللبنانيين سيخطر على بالهم مباشرة إهانة تظاهرة ٨ آذار ودعم نظام بشار واغتيال رفيق الحريري، واغتيال قادة ١٤ آذار، واحتلال وسط المدينة، وتعطيل المؤسسات وغزوة ٧ أيار، والتنكيل بشعب سورية لمجرد أن أكثريته من السنّة، والحشد الشعبي، وقاسم سليماني، ولن يتذكر أحد قصة مواجهة إسرائيل إلا في حال رفع العتب.


المعادلات البائدات بخصوص شعب وجيش ومقاومة، من تسبّب بسقوطها هو «حزب الله» ذاته بإصراره على دفع الناس الى نسيان تضحيات شهدائه في مواجهة إسرائيل، وتذكيرهم بأنه مجرد ميليشيا مذهبية تقتل وتدمّر كل من يقف في طريقها.


قد يغطي نصر الله كل معادلاته ببعض الجدية وبعض الاستلشاق وبعض المزحات وبعض التهديدات المبطنة، لكنه يعلم أن الزمن قد أسقط الهيبة التي كانت تجعل الناس يصدقون كل ما يقوله. والمعادلة الثابتة الوحيدة هي أنه كلما زاد توتر الأمين العام لـ «حزب الله»، كلما عاد إلى رفع الإصبع الغريزي، مع علمه أن هذه الحركة لم تعد تؤثّر على أحد.