لا توحي أي معطيات داخلية بالإطمئنان، لا في السياسة ولا في الإقتصاد. رغم كل المحاولات التي جرت في اكثر من إتجاه لضبط الساحة اللبنانية، الاّ أن القلق المعيشي يدفع البلد نحو التفلت. لم تستطع الحكومة ولا مصرف لبنان منع الليرة من فقدان قيمتها تدريجياً أمام الدولار. يُقال أن ثمة دوافع غير مرئية تُفقد العملة الوطنية الحد الأدنى من هيبتها: هل صحيح أن الوضع المالي الفعلي يفرض إنهيار الليرة بهذه السرعة؟ لم يتفق المعنيون على إجابة واحدة حول هذا السؤال. يقولون إن "إبتلاع" السوق لكل الأوراق النقدية الخضراء يفوق المتوقّع، وكأن هناك من يتقصّد سحب الدولار لضرب الليرة. ايضاً هناك من يقول إنّ المواطنين الأثرياء والمقتدرين يشترون الدولار بأي سعر يُطرح في السوق السوداء، لتخزينه في بيوتهم، لأنهم لا يثقون بقدرات الليرة، ولا قوة الدولة في الآتي من الأيام. ويقولون أن "تجّار الأزمة" يتحكمون بالسوق، مما يرفع من ​سعر الدولار​ المفقود. تُحكى روايات أخرى متعددة ومتضاربة، رغم أن الإتفاق عند كل المعنيين الرواة هو على معادلة: سعر الدولار سياسي لا إقتصادي. كيف ذلك؟.

يردد إقتصادي مطّلع في مجالسه أن كل محاولات الحكومة لن تصل الى نتيجة في الملف المالي، لأن المشكلة سياسية وليست إقتصادية فحسب. يعود بالقصة الى العقوبات التي فُرضت على لبنانيين تحت عنوان حزبي، وعلى بنك "الجمّال"، ثم تحذير ​رجال الأعمال​ المغتربين من تحويل أموال الى لبنان، لتحلّ قضية عدم استجابة المصارف الخاصة لطلبات المودعين بالسحب او تيسير أعمالهم. كلها يربطها الإقتصادي المشار إليه ببعضها البعض، قبل أن يتوّج قانون "قيصر" الأميركي اللعبة بخنق لبنان من رئته السورية. لم يعد مسموحاً أن تعامل مؤسساته وافراده مع مؤسسات سورية. هنا تبدو تداعيات القانون المذكور على البلد أكبر منها على ​سوريا​ المعنية ببنود "قيصر".
الأسوأ أن سياسيين لبنانيين يعرفون حجم التداعيات لكنهم يمضون قُدماً بذات الممارسة السياسية في شأن مقاربة الملفات: حتى الآن، لا حسم لملف الكهرباء، ولا إنشاء مجالس إدارات وهيئات ناظمة باتت مطلوبة دولياً للسماح بتنفيذ مشاريع قروض مالية عبر ​صندوق النقد الدولي​. لا إتفاق على المعالجات السياسية ولا مؤازرة ولا تسهيل لأيّ حوار وطني مطلوب، بدليل ما جرى إزاء دعوة ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ لعقد لقاء في ​بعبدا​. كلٌّ فريق يتمسك برؤيته ومشروعه فيما البلد ينزلق نحو هاوية خطيرة.
بما أن الأفق مسدود، في ظل تفرّج ​العالم​ على الإنهيار اللبناني، فإن السيناريوهات المطروحة خطيرة جدّاً، لأنها تستند إلى واقع شعبي سيّء نتيجة تراكم آلام الناس. قد يكون الأمر مطلوباً خارجياً، وهو ما ردّ عليه الأمين العام لحزب الله ​السيد حسن نصرالله​ في كلمته الأخيرة بشأن مقاومة الجوع.
يتحدث مطّلعون عن أن الشارع قد يتفلّت، ويصعب ضبطه في حال لم تتم إعادة جزء من قيمة الليرة التي فُقدت في الأيام الماضية. بات الحد الأدنى للأجور بما يقل عن مئة دولار، في بلد يسعّر كل السلع الغذائية وغير الغذائية، الضرورية وغير الضرورية، على أساس الدولار. أتى حديث وزير المال غازي وزنة صادقاً عن أن التفاوض إيجابي مع صندوق النقد الدولي، لكنه تحدث عن ثلاث مراحل، ونحن ما زلنا في المرحلة الأولى التي تحتاج الى كثير من الدراسات. مما يعني اننا نحتاج الى وقت أطول كي نصل الى مرحلة التنفيذ. فهل يتحمل البلد مزيداً من الإنتظار؟ بالطبع لن يتحمل بدليل أنين الناس مما وصلوا اليه.
لذا، يُخشى من سيناريوهات خطيرة قائمة على أساس عدم قدرة المواطنين على شراء حاجياتهم الأساسية، او تسجيل اولادهم في المدارس، او تأمين مستلزمات ستحلّ دفعة واحدة في الشهرين المقبلين. تلك السيناريوهات تقوم استناداً الى مخاوف نابعة من تزايد عمليات السرقة، والاستعداد للنزول الى الشوارع: ماذا لو تفلّتت الساحات؟ هناك خوف من مواجهات في وقت أصبح فيه العسكريون والأمنيون هم اكثر قلقاً على يومياتهم بعد تدني قيمة رواتبهم إلى حدود لا تكفي عائلاتهم. هنا تكمن الخطورة الفعلية بأن يُصبح فيها المواطن لا يخشى من البلل بعد غرقه في مستنقع الأزمة. يُستسهل حينها الدم والفوضى. وهو السيناريو الأخطر. مما يفرض التحرك الفعّال والحذر مما هو آت في حال مضى البلد في طريق الانهيار السريع.