في المرحلة التي تلت ​الإنتخابات النيابية​ الماضية، في شهر أيار من العام 2018، عمدت العديد من القوى المحلية إلى التسويق لنظرية وفاة الإنقسام السياسي الذي ولد في العام 2005، على اثر إغتيال رئيس الحكومة الراحل ​رفيق الحريري​، بين قوى الثامن والرابع عشر من آذار، نظراً إلى أن التسوية بين "​التيار الوطني الحر​" و"​تيار المستقبل​" كانت هي العنصر الأساسي في الحكم، في حين كان الأخير قد ذهب إلى ​سياسة​ ربط النزاع مع "​حزب الله​"، الأمر الذي ترجم تمسكاً بترشحه ل​رئاسة الحكومة​، بعد إستقالته، من قبل الحزب و"​حركة أمل​".

في المشهد العام، حالة تململ كبير في الأوساط الشعبية، نتيجة تدهور الأوضاع المالية والإقتصادية والإجتماعية، لكن على المستوى السياسي يبدو أن هذا الإنقسام عاد ليتصدر الواجهة من جديد، إنطلاقاً من الملفات الإقليمية التي دخلت لتكون عامل ضغط على ​الأزمة​ المحلية، وهو ما يترجم من خلال التوصيف العام الذي يعطى لها.
في هذا السياق، تشير أوساط متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن قوى الثامن من آذار تفضل رمي كرة الأزمة على ​الولايات المتحدة​، أي العقوبات والضغوط التي تمارسها بهدف محاصرة "حزب الله"، وهو ما عبر عنه أمين عام "حزب الله" ​السيد حسن نصرالله​ بشكل واضح في خطابه الأخير، في حين أن قوى الرابع عشر من آذار ترمي بالمسؤولية على خيارات الحزب، لا سيما الإقليمية منها، وتعتبر أنه المسؤول عن الواقع الراهن، الذي أدى إلى القطيعة مع ​الدول العربية​ والغربية، منسجمة مع الموقف الأميركي الذي عبرت عنه السفيرة ​دوروثي شيا​ في الأيام الماضية.
من وجهة نظر هذه الأوساط، الفريقان يتجاهلان أن الأزمة مركبة، أي أن هناك عوامل متعددة تدخل فيها، وبالتالي لا يمكن تحميل ​واشنطن​ المسؤولية الكاملة عنها، نظراً إلى أن السياسات المالية والإقتصادية التي كانت معتمدة على مدى السنوات الماضية، بالإضافة إلى إرتفاع نسب ​الفساد​ والهدر، هي الجزء الأساسي منها، ما سمح بنجاح الولايات المتحدة في ​تحقيق​ الأهداف المرجوة من إجراءاتها بسرعة قياسية.
بالنسبة إلى هذه الأوساط، تجاهل دور واشنطن، من قبل قوى الرابع عشر من آذار، غير منطقي، نظراً إلى أنها لا تتردد، على لسان كبار المسؤولين فيها، عن الإعلان أنها تسعى من خلال ما تقوم به من إجراءات إلى تحقيق أهداف محددة، وهو ما يظهر بشكل واضح من خلال توصيفهم للأزمة، والتشديد منذ تاريخ السابع عشر من تشرين الأول الماضي على فرضية أن اللبنانيين ينتفضون ضد "حزب الله" و​إيران​.
إنطلاقاً من ذلك، تعتبر الأوساط المتابعة أن المشهد العام، في الأيام الماضية، أظهر عدة مؤشرات على عودة الإنقسام السياسي إلى ما كان عليه قبل ​التسوية الرئاسية​، بالرغم من ان تحالف قوى الرابع عشر من آذار لا يبدو متماسكاً في الفترة الراهنة، وتشير إلى أن هذا الواقع فرضته الملفات المستجدة، أبرزها تحميل السيد نصرالله الولايات المتحدة المسؤولية الأساس عن الأزمة، بالإضافة إلى دخول قانون "قيصر" كلاعب أساسي في ​الحياة​ السياسية المحلية، من دون تجاهل الدعوات إلى التوجه شرقاً، والتي لم تتردد واشنطن من التحذير العلني منها، ليستكمل المشهد إنقساماً بعد القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في صور ​محمد مازح​.
في هذا الإطار، ترى الأوساط نفسها أن هذا المشهد من المفترض أن يتجذر أكثر في المرحلة المقبلة، لا سيما أن المواجهة تتجه إلى المزيد من التصعيد، بدليل كيفية التعامل مع الدعوة إلى "​اللقاء الوطني​" الذي عقد في ​القصر الجمهوري​ في ​بعبدا​، بالإضافة إلى المواقف التي تصدر عن قوى الثامن من آذار، في ما يتعلق بالتعامل مع ​قانون قيصر​، وهو ما تظهر بشكل لافت خلال ​اللقاء التضامني​، الذي عقد في ​السفارة السورية​ قبل أيام.
في المحصلة، تؤكد هذه الأوساط أن المشهد قد لا يكون بالصورة التي كان عليها، قبل سنوات، بشكل تام، نظراً إلى أن الخلافات التي تعصف بين أفرقاء كل فريق، لكنها تلفت إلى أنه سيتظهر أكثر كل ما توسعت دائرة الملفات الخلافية التي تصنف إستراتيجية، خصوصاً إذا ما كانت عامة لا تقتصر فقط على الساحة المحلية، وتضيف: "المشهد اليوم قريب من ذلك الذي كان قائماً في العام 2004، عشية صدور ​القرار 1559​، ولو بصورة مختلفة بعض الشيء".