في دردشته الأسبوعيّة مع الإعلاميّين، "تعمّد" رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ نفي "التسريبات" عن مفاوضاتٍ خلف الكواليس ليعود إلى ​رئاسة الحكومة​، مختصراً المسألة بالقول، وباللهجة العامية، "مش راكض أعمل رئيس حكومة".

لكنّ الحريري، "غير الراكض ولا الراغب ولا المفكّر" برئاسة الحكومة حالياً، على حدّ قوله، لم يقفل الباب أمام احتمال العودة، مجدِّداً في هذا السياق الحديث عن "شروطٍ" لمثل هذه العودة، وهي شروطٌ لم يُفصِح عنها، لكنّه أصرّ على أنّها "معروفة".
يبدو الحريري كمن يقول إنّه لا يرغب برئاسة الحكومة في الظرف الحاليّ الذي قد يكون الأكثر تعقيداً في ​تاريخ لبنان​ الحديث، ولكنّه يرغب بها في الآن نفسه، وفق شروطه، لعلّه بذلك ينجح في "تعويض" ما فاته خلال الأشهر القليلة الماضية.
فأيّ الخيارين يبدو الأكثر ترجيحاً وسط المعادلة القائمة؟ وأيّ رسائل أراد الحريري إيصالها إلى المعنيّين خلف كلامه المباشر هذا؟ وهل تجد "شروطه" قابليّة للتنفيذ بالنسبة إلى خصومه؟!.

الظرف مثاليّ...


لا يبدو "محض مصادفة" تزامن كلام الحريري العالي السقف، والأول من نوعه ربما منذ خروجه، أو ربما إخراجه، من السراي قبل أشهر، بعد استقالته "الأحادية" على وقع "انتفاضة" السابع عشر من تشرين الأول، والتكهّنات الآخذة في التصاعد حول "مصير" حكومة حسّان دياب، وما يُحكى في الكواليس السياسية عن أنّها تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا تنتظر سوى نضوج "البديل"، إن توافر بالدرجة الأولى.
فمع أنّ هذه التكهّنات بقيت في إطار "الإشاعات"، بدليل الكلمة المطوّلة التي ألقاها رئيس الحكومة في مستهلّ جلسة ​مجلس الوزراء​ الأخيرة، والتي استعاد فيه أدبيّات "المؤامرات" و"الأبواق السوداء" التي بات يتقنها، بل "يتفنّن" باستخدامها في خطابه، وهو ما دلّ على تلقيه رسائل "طمأنة" حول "صمود" حكومته، إلا أنّ الحريري وغيره يدركون أنّ كلمةً واحدةً منه قادرة على دفع "عرّابي" الحكومة على الإطاحة بها سريعاً، ومن دون أسف على "شبابها".
باختصار، الظرف يبدو "مثالياً" للحريري للعودة إلى دائرة الضوء، بل أكثر من ذلك، لفرض شروطه، مستغلاً "الامتياز" الذي يتمتّع به بوصفه المرشّح "المفضَّلٍ" لمعظم خصومه للعودة إلى السراي، باعتبار أنّ "التجربة" التي خاضها هؤلاء، نكايةً بالحريري، ومن باب رفض شروطه، أثبتت فشلها، بدليل الواقع الصعب الذي تعيشه ​الحكومة اللبنانية​، التي باتت "تُضرَب من بيت أبيها" كما يحلو للبعض القول، في إشارةٍ إلى الخلافات الداخلية بين مكوّناتها، والتي اتخذت خلال جلسة مجلس الوزراء ما قبل الأخيرة في ​قصر بعبدا​، شكل "​الثورة​ الذاتيّة".
ولعلّ ما يعزّز من "مثاليّة" اللحظة بالنسبة إلى "الشيخ سعد"، أنّ دياب بات "مُحاصَراً" من الداخل، بل إنّ ثمّة في الفريق المحسوب عليه من يدعوه علناً إلى الاستقالة، أو بالحدّ الأدنى إلى "تسهيل" مهمّة إيجاد البديل، كما فعل مثلاً نائب رئيس ​مجلس النواب​ ​إيلي الفرزلي​، الذي يشكّل "تقاطعاً" بين كلّ من رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ ورئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير ​جبران باسيل​، ولو قال إنّ ما يتفوّه به "اجتهادٌ شخصيّ"، علماً أنّ "صدفة" تزامن حصول لقاءٍ بين بري وباسيل، وذهاب الفرزلي إلى دارة الحريري، لها تفسيراتها ودلالاتها الكبرى أيضاً.

تعقيدات بالجملة!


يكتسب الظرف المثاليّ "مناعة" أكبر، حين يوضَع في الميزان "تحذير" تكتل "​لبنان القوي​" العرّاب الأول للحكومة، والذي لم ينقسم على نفسه إزاءها فحسب، بل بات يلوّح بسحب الثقة عنها، باعتبار أنها كانت "مشروطة" من الأساس ب​تحقيق​ إصلاحات، لم يحصل منها شيء، أو دعوة رئيس حزب "التوحيد العربي" ​وئام وهاب​ لدياب إلى الاستقالة قبل أن يتمّ "إسقاطه"، وهو كلامٌ له ما له أيضاً، ولو حذفه وهّاب، ربما نتيجة اتصالاتٍ ووساطات.
لكن، إذا كان هذا الظرف "المثاليّ" شكّل دافعاً للحريري للعودة إلى نادي "المرشحين" لرئاسة الحكومة، ربما من باب "الردّ" على الطروحات المتداولة حول مرشّحين جُدُد لخلافة دياب، بينهم مثلاً النائب السابق لحاكم ​مصرف لبنان​ ​محمد بعاصيري​، والذي حرص الحريري على تجاوز "قربه" منه بتأكيده عدم توفيره أيّ "غطاءٍ" له، فإنّ "تعقيداتٍ" بالجملة توحي بأنّ عودة "الشيخ سعد" إلى رئاسة الحكومة لا تزال مُستبعَدة أقلّه في الظرف الحاليّ.
ففي حين يعتقد الحريري أنّ الأشهر القليلة الماضية، والتي شكّلت في كلّ تفاصيلها "ضربات موجعة" لـ "العهد"، كافية لـ "تليين" موقف الأخير ممثَّلاً ب​الرئيس ميشال عون​ والوزير جبران باسيل، للقبول بـ "الشروط" التي كان يرفضها قبل أشهر، يرى المقرّبون من "العهد" أنّ العكس صحيح، وأنّ القبول بشروط الرجل لن يكون سوى إعلان "هزيمة" أو "استسلام"، وهو ما لا يبدو الرجلان جاهزَيْن له، مهما كان الثمن، وأياً كانت "الفاتورة"، وبمُعزَلٍ عن موقف "​حزب الله​" الذي يرى البعضأنّه يؤيّد بشدّة عودة الحريري.
ويكفي للتأكيد على هذا الموقف، وفقاً للمحسوبين على "العهد"، ما قاله الحريري نفسه في دردشته مع الصحافيين، حين قال إنّ من يجب أن يتنازل هو "من هم في الحكومة اليوم"، داعياً إياهم إلى "التواضع"، وكأنّ المطلوب من "العهد" إقصاء نفسه بنفسه كرمى لعيون "الشيخ سعد"، وهو أمرٌ، إن دلّ على شيء، فعلى أنّ شيئاً في المقاربة لم يتغيّر، وأنّ الأخير يريد تصوير نفسه وكأنّه "المُنقِذ"، ولو قال غير ذلك، مع أن القاصي والداني يعلم أنّ ما تُعرَف بـ "الحريرية السياسية" هي التي لعبت الدور الأكبر في وصول البلاد إلى ما وصلت إليه، علماً أنّ وجوده في الحكومة يتطلّب "شراكة" بالحدّ الأدنى في تحمّل المسؤولية، وبالتالي "تضامناً" يبدو بعيد المنال حتى إشعارٍ آخر، لاعتباراتٍ سياسيّة بالدرجة الأولى.

"كبش فداء"؟


لا شكّ أنّ لعودة الحريري إلى معزوفة "الشروط" من أجل العودة إلى رئاسة الحكومة دلالاتها ومعانيها في هذا الظرف، بعد فترةٍ كانت كلّ التسريبات فيها تؤكد أنّه ليس مستعداً لأيّ "تسوية" جديدة مع "العهد"، ولا سيما مع الوزير جبران باسيل، بأيّ شكلٍ من الأشكال.
ببساطة، يشعر الحريري، كما الكثير من اللبنانيين، أنّ تجربة دياب وصلت إلى "خواتيمها"، وأنّ الرجل يصطدم بالكثير من المعوّقات التي تجعله "مكبّلاً"، لا "يفشّ خلقه" سوى بالمطوّلات التي يلقيها، والتي تصلح للكتابات النثرية أو الشعرية أكثر من مركز صنع القرار.
لكن، وبعيداً عن "منطق" ما يستطيع الحريري أن يفعله في المقابل، ثمّة من يسأل عن "قابلية" شروط الحريري للتنفيذ، وجلّ ما فيها "إسقاط" للعهد ممثَّلاً بباسيل كرمى لعيونه؟ وهل يرتضي "العونيون" أصلاً أن يكونوا "كبش فداء" في مثل هذه المعركة؟.
باختصار، يبدو كلام الحريري مجرّد "قنابل دخانية" لن تغيّر شيئاً في المعادلة، بل قد "تثبّت" دياب في مكانه حتى أجلٍ غير مسمّى، على رغم كلّ شيء...